الصفحة 38 من 118

مثل الغائط، لفظ الغائط، وهو المطمئن من الأرض، أرض نازلة، إذا أتى فيها أحد وطأطأ أخفته عن الأنظار، هذه تسميها العرب تسمي الأرض هذه غائطة؛ يعني منخفضة، ومنه الاشتقاق غوطة، ونحو ذلك من الألفاظ، إذا كانت منخفضة، العرف أصلا هو الذي نقل، أما اللغة فمعنى غائط أو غاط أو شيء آخر، ثم نقلها العرف، يعني أصلها اللغوي هو المكان المنخفض، لكن العرف هو الذي نقلها إلى أنّ الغائط هو ما يخرج من الإنسان من الأذى، لما نقلها العرف؟ لملابسة، ما هذه الملابسة؟ أنّ من أراد أن يخرج هذا الأذى ذهب على ذلك المنخفض من الأرض، كما تعلمون العرب لم تكن لها كُنُف في بيوتها، وإنما إذا أرادوا أن يتبرّزوا، خرجوا، فذهبوا وبحثوا عن ما يتوارون به عن الأنظار، وهي الأرض المسماة الغائط، فسمي ما يخرج منهم في تلك الأرض غائطا، هذا يسمى حقيقة عرفية، وهذا هو الصحيح، وليس هذا مجازا كما مثل به المؤلف فيما سيأتي، الصحيح أنّ هذا حقيقة عرفية.

إذن الحقائق العرفية أنها نَقْلٌ من العرف لأشياء في اللغة بمعنى آخر أخص من المعنى السابق، أو بينه وبينه ملابسة، وهذه الثلاث مهمة.

إذا فهمنا معناها سنقول قد يتعرض اللفظ في نصوص الشرع إلى أنْ تتنازعه الحقائق؛ تتنازعه الحقيقة اللغوية، تتنازعه الحقيقة الشرعية، تتنازعه الحقيقة العرفية، فإذا تنازع اللفظ أكثر من حقيقة، فأي الحقائق يُقدَّم؟ الذي عليه عامّة العلماء أنه يجب تقديم الحقيقة الشرعية، إذا قلنا صلى فلانٌ، نعرف الصلاة المراد بها الحقيقة الشرعية، قال جل وعلا ?وَأَقِمْ الصَّلَاةَ? [هود:114] نعرف الصلاة هي الحقيقة الشرعية؛ لأن هذا اللفظ نعرف أنّ الشرع نقله من اللغة إلى شيء جديد.

فإذن يجب تقديم الحقائق الشرعية أولا عند التعارض.

ثانيا الذي عليه جمهور العلماء خلافا للحنفية أنه يقدم بعد الشرعية العرفية إذا تنازع اللفظ حقيقة عرفية ولغوية، هل يحمل على اللغوية أو يحمل على العرفية؟ نقدم العرفية، لما؟ لأنّ اللغوية باقية على أصلها، وأما العرفية منقولة، ولهذا يقدم المنقول على ما هو باق على أصله، إذْ هذه فائدة النقل، أو هذه من فوائد النقل، ظاهر؟ إذن نقدِّم العرفية، مثاله نقول فلان أتى على دابّة، دابة يعني ذوات الأربع، هذه الحقيقة العرفية.

الحنفية يقولون لا؛ إذا تعارضت العرفية واللغوية تقدم اللغوية؛ لأنها هي الأصل، لكن هذا ليس هو الذي عليه جمهور العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت