الصفحة 47 من 118

فإذن (استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه) هو هنا نَظَرَ إلى جهة الآمر، وإلى جهة المأمور، فيكون الآمر أعلى من المأمور؛ الآمر أعلى من المأمور قدْرا، فإن كان الآمر مساويا للمأمور سمي ذلك التماسا، وإن كان الآمر أدنى من المأمور منزلة سمي ذاك سؤالا وطلبا ودعاء؛ كما نخاطب الله جل وعلا نقول: اللهم اغفر لي. اغفر لي، أمر، ولأنه منا نحن البشر الفقراء الضعاف المساكين إلى العظيم الأعلى صار سؤالا، وإذا سألت صديقك وإذا استدعيته إلى الفعل بالأمر، فإنّ هذا ليس ممن هو دونك إنما هو من مساوٍ لك فيسمى التماسا، فإذن الأمر عندهم لا يدخل فيه الالتماس، ولا يدخل فيه الدعاء، إنما الأمر استدعاء الفعل من قائله أو من الكاتب أو من المشير ممن هو دونه قدْرا من سيده لعبده، رجل لزوجته، مسؤول عمل لمن يعمل عنده، مستأجر للأجير، وحاكم لرعيته، ونحو ذلك، هذا كلها أمر لأنه ممن هو دونه.

قال (على سبيل الوجوب) ، وقوله هنا (على سبيل الوجوب) يعني أنْ يكون الأمر واجبا، وهذا فيه نظر؛ لأنّ المؤلف كأنه يرى بذلك أن النّدب -كما سيأتي- لا يكون مأمورا به في ظاهر الأمر، والأَوْلى أنْ نقول في تعريف الأمر: أنّ الأمر استدعاء الفعل ممن هو دونه على وجه الاستعلاء. واضح؟ استدعاء الفعل ممن هو دونه على وجه الاستعلاء، ما معناها؟ يعني أن يكون الآمر في أمره مؤكِّدا جازما، وبعض علماء الأصول يقولون على وجه العلو، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ العلو صفة الآمر، والاستعلاء صفة للأمر في نفسه، فيكون على وجه الاستعلاء؛ يعني الأمر فيه جزم، أو فيه شدة، وفيه غلظة، ونحو ذلك، حتى يخرج منها الالتماس والسؤال وإلى آخره.

إذن تحصَّل لنا أنّ تعريف الأمر يصلح أنْ نقول: إنَّ الأمر هو استدعاء الفعل ممن هو دونه، على وجه الاستعلاء، لا على وجه العلو، وعلى سبيل الوجوب ليست بصحيحة؛ لأن المندوب مأمور به لكن بأمر ليس بجازم.

قال (وصيغته: افعل) صيغة الأمر (افعل) ، (وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه) يعني على الوجوب، أولا هو حدّد صيغة بـ (افعل) وهذا تقرير وتمثيل، وإلا فإنّ صيغ الأمر كثيرة فمنها: افعل، اذهب، اقرأ، اكتب، أقم الصلاة، آتي الزكاة، تصدق، اعتق رقبة، ونحو ذلك، هذه صيغة (افعل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت