الصفحة 50 من 118

إذن فالأمر قد يكون للوجوب وهو الأصل، وقد يكون الأمر للاستحباب لقرينة دلت على ذلك، مثاله قوله تعالى ?فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا? [النور:33] (فَكَاتِبُوهُمْ) للاستحباب، وكذلك قوله جل وعلا ?وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? [الحج:77] هذا أمر بفعل الخير، فدلت القرينة المنفصلة أنّ من الخير ما هو مستحب ليس بواجب، فيكون (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) هذا للوجوب فيما يجب فيه والاستحباب فيما يستحب من أنواع الخير.

هذه القرائن التي تنقل الأمر من الوجوب إلى الاستحباب كثيرة، وأهل العلم لا يُفَصِّلون الكلام عليها في كتب الأصول، وإنما يقولون: إنّ من القرائن أنْ يفعل النبي صلى الله عليه وسلم الشيء الذي نهى عنه، أو أن يترك الشيء الذي أمر به، فإذا ترك الشيء الذي أمر به، فيكون تركه قرينة دلت على أنّ الأمر للاستحباب، أو يكون فعل ما نهى عنه، فيكون فعله لما نهى عنه يدل على أن نهيه للكراهة وليس للتحريم.

أيضا قالوا: من القرائن أنْ يكون الخبر في صفة في المعاملات المالية؛ يعني هي نوع المعاملة، ليس في أركانها ولا شروطها، إنما هو في صفتها، فيكون الأمر إذا كان في صفة معاملة؛ مثل الإشهاد في البيع فإن هذا دلّ على الاستحباب، كذلك قالوا إذا كان الأمر في أنواع الآداب؛ مثل آداب الأكل، آداب الشرب، آداب التخلي، ونحو ذلك، فإنَّه لو أُمر به قرينة كونه من الآداب تصرفه عن الوجوب للاستحباب، وذكروا قرائن كثيرة.

ومجموع ذلك يتلخص في أنّ القرينة هي ما أفاد كون الشارع لم يُرِد بالأمر وجوب الامتثال لم يرد بالأمر الأمر الجازم، فإذا لم يُرِد بالأمر الأمر الجازم فإنه يكون الأمر ليس للوجوب إنما للاستحباب.

قال هنا (وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه) أي على الوجوب (إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة) ذكرت لك القرائن التي تفيد الإباحة، والقرائن التي تفيد الندب؛ يعني بعض هذه وبعض تلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت