الصفحة 52 من 118

الحمد لله، مع الأصول، قال الجويني أثناء كلامه على الأمر (ولا تقتضي الفور) يريد لا تقتضي صيغة (افعل) الفور، قال بعض الشرّاح يعني ولا التراخي، كأنه يقول إنّ قول الجويني (ولا تقتضي الفور) يعني ولا التراخي، يعني بمجرد صيغة (افعل) لا يستفاد منها الفورية ولا التراخي، لكن هذا عندي فيه نظر؛ لأنّ الجويني من الشافعية، والشافعية يرون أن الأمر للتراخي، وذلك أنّ العلماء اختلفوا من الأئمة وأتباعهم والفقهاء والأصوليين في هل يقتضي الأمر الفور أم لا؟

فذهب الإمام أحمد وأصحابه والمالكية وبعض الشافعية وبعض الحنفية إلى أنّ الأمر يقتضي الفور.

وذهب الشافعية والحنفية إلى أن الأمر يقتضي التراخي؛ ما يقتضي الفورية.

ومعنى ذلك، معنى أنّ الأمر يقتضي الفورية؛ يعني أنّ المأمور يجب عليه أن ينفذ ما أمر به فورا، ليس له أن يؤجل، إذا قال قائل لمن أمر يا فلان اذهب فآتي بالكتاب، فهذا الأمر يعني اذهب فورا، فإذا أجَّلَ ذلك ساعة كان غير ممتثل للأمر، وهذا هو الذي يُفهم من اللغة، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن، أنّ الأمر يفيد الفورية؛ لأنه لو كان يفيد التراخي كان فيه نوع تخيير له أن ينفذه الآن أو متى شاء، ومعلوم أنّ الأمر إذا كان مفيدا للوجوب فإنه للجزم، والجزم لا يناسب التراخي، لهذا قال العلماء لو قال السيد لعبده أُجلب لي ماء فلم يمتثل فورا عُدّ عاصيا، عدّ مخالفا.

طائفة من العلماء يرون أن الأمر للتراخي؛ يعني للمأمور أنْ يُؤخر الامتثال عن وقت الخطاب، وهذا الخلاف له ثمرات فقهية مهمة، فمثلا الله جل وعلا أمر بإيتاء الزكاة فقال ?وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ? (1) متى تجب الزكاة؟ إذا تمت الشروط وجبت، وأخرج مال الزكاة، قال هذه ألف ريال مثلا هذه زكاة، يجب أن يؤتي الزكاة؛ يعني أن يخرجها ويعطيها من يستحقها على القول بأنّ الأمر بالفور، فورا ليس له أن يؤخر، وعلى القول بأنه للتراخي، تقول لو أخر أسبوع شهر فإنه لا حرج عليه، كذلك قال جل وعلا ?وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا? [آل عمران:97] فأمر بالحج وأمر بالعمرة أيضا في قوله ?وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ? [البقرة:196] فهل لهذا المخاطب بهذا الأمر أن يؤخر الامتثال؟

(1) البقرة: 43، 83، 110، النساء:77، النور:56، المزمل:20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت