الصفحة 54 من 118

ثم قال (والأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به) والأمر هنا يشمل الواجب والمستحب، (الأمر بإيجاد الفعل أمر به) بذلك الفعل، وأيضا أمر بوسائل الفعل، وهذه هي التي يسميها العلماء: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المستحب إلا به فهو مستحب". وهكذا، قال (والأمر بإيجاد الفعل أمر به) يعني بذلك الفعل (وبما لا يتم الفعل إلا به) ، قال جل وعلا ?وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ? [البقرة:43] ، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بأداء الصلاة في المساجد مع الجماعة، فالواجب إقامة الصلاة مع الجماعة في المساجد، المشي إلى المسجد؛ الانتقال من البيت إلى المسجد، ما حكمه؟ لا يمكن أن يمتثل إقامة الصلاة في المساجد إلا بالانتقال، فهذا الانتقال واجب، قد يقول قائل: إذا قلت إنه واجب، هو سينتقل فما فائدة كونه واجبا؟ نقول هذا من رحمة الله؛ لأنّ الماشي يؤجر أجْرَ ممتثل لواجب؛ لأنّ الأمر بشيء أمر به، وبما لا يتم إلا به، فهو حين ينتقل من بيته إلى المسجد، لأداء الصلاة؛ لأنّ الصلاة مع الجماعة واجبة، ويعلم أنّ إتيانه بهذا لابد منه؛ لأنّ الصلاة لا يمكن أن يفعلها في الجماعة إلا به، فيؤجر على من شاء أجره على الواجبات، ظاهر؟ نقول الأمر بالصلاة مثلا أمر بها وبما لا تتم إلا به مثل الطهارة استقبال القبلة ونحو ذلك.

إذن هذه القاعدة أو هذا الحكم الأصولي يُعبَّر عنه في مواضع أخر؛ يعني في كتب أخر بأنّ ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهنا ينبغي أنْ يتنبه إلى أنّ ما لا يتم الواجب إلا به على قسمين: بعضه مقدور للعبد، وبعضه غير مقدور للعبد. فالذي يوصف بالوجوب يوصف بأنه مأمور به ما هو داخل في مقدور العبد، رجل مريض لا يستطيع أن يصلي قائما، والله جل وعلا أمر بإقامة الصلاة، قال ?وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ? [البقرة:232] الصلاة لا يمكن أن تكون عن قيام إلا بأن يقوم، إذا كان القيام في مقدوره فإن القيام واجب، إذا لم يكن في مقدوره لم يصبح مما لا يتم الواجب إلا به؛ لأن ما لم يتم الواجب إلا به يُقيَّد بما كان داخلا تحت مقدور العبد؛ يعني بما يستطيعه العبد، لهذا قال عليه الصلاة والسلام في الصلاة لعِمران «صَلّ قَائِمًا, فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا, فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» إلى آخره، وهذا ظاهر فيما أحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت