فهرس الكتاب
المقصود قال بعد ذلك (( تنبيه) : من يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل: يد خل في خطاب الله تعالى: المؤمنون.) مَنِ المخاطب بخطاب الله جل وعلا في القرآن أو في السنة؟ قال (يدخل في خطاب الله تعالى: المؤمنون.) من هم المؤمنون؟ يعني المكلفين: البالغ العاقل الذي بلغ سن التكليف. هذا هو الذي يدخل في الخطاب، فمعنى ذلك أنّ من هو دون سن البلوغ ليس مخاطبا بالتكليف، (يدخل في خطاب الله) يعني بالتكليف (المؤمنون) .
استثنى قال (وأما الساهي والصبي والمجنون فهم غير داخلين في الخطاب.) ، (الساهي) الذي سها عن أداء ما أُمر به، وها هنا ألفاظ متقاربة تكثر عند الأصوليين وعند الفقهاء منها النسيان؛ نسي، السهو؛ سها، يسهو، ومنها الغفلة؛ غفل عن كذا، فما الفرق بينها؟ نعم الساهي لا يؤاخذ، والناسي أيضا لا يؤاخذ، والغافل أيضا لا يؤاخذ؛ (1) لأن الجميع ما خالفوا قصدا للمخالفة، هذا ساهي، وذاك غافل، وذاك ناسي، والله جل وعلا يقول ? رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا? [البقرة:286] ، وثبت في الصحيح أنّ الله جل وعلا قال «قد فعلت» ، فلا يؤاخذ الناسي مثله الساهي.
النسيان يكون لشيء سبق العلم به، فلم يذكره في الحال يقول نسيتُ كذا. كان عالما به فنسيه، ولهذا قال بعض العلماء النسيان متعلق بما كان.
الغفلة تقابل النسيان، الغفلة متعلقة بما يكون، تقول غفلت عن هذا الشيء حتى صار وكان، غفلة عما يكون، والسهو بينهما يكون عما كان وعما لم يكن، يكون عما كان وعما لم يكن، لهذا في حديث ذي اليدين المعروف في قصة سهو النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ وهو عليه الصلاة والسلام سها، لهذا سمي سجود السهو؛ لأن النسيان، السهو يكون عما كان، وعما لم يكن، هنا عبر بالسهو؛ لأنه يشمل الأمرين، وبعض العلماء يقول الغفلة تشملها جميعا، وعلى العموم الخطب يسير، فالساهي -كما ذكرتُ لك- السهو يكون عن ذُكْرٍ وعن غير ذُكر؛ يعني عن تذكر ما ينبغي وعن عدم تذكر، سها عن الشيء؛ يعني غفل عنه، ما يدري عن أصله، أو يكون على ذكر منه ثم نسيه سَهَا عنه مثل ما مثلتُ لك فقوله: وأما الساهي يدخل فيه الناسي ويدخل فيه الغافل، كل هؤلاء غير مخاطبين، لما؟ لأنّ الله جل وعلا خاطب من يعقل؛ من يتقبل الأمر، وهؤلاء في تلك الحال ليسوا متقبلين للأمر.
(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الثالث.