فهرس الكتاب
ما سبب عدم دلالة الفعل على العموم؟ لأنه إنما فَعَل واحدة من تلك الحالات، وعليه الصلاة والسلام جمع في السفر، هو كان على حالة واحدة، إما أن يكون سفره سفرا قصيرا، وإما أن يكون سفره سفرا طويلا، وإما أن يكون سفره سفر نسك، وإما أن يكون سفره ليس بسفر نسك، ظاهر؟ النسك يعني للحج والعمرة ونحو ذلك، فيه غير هذه الحالات؟ هو هذا الكلام هل يشملها جميعا، أو وقع عليه الصلاة والسلام حالة واحدة؟ إذن لأنه إنما وقع منه عليه الصلاة والسلام حالة واحدة، فإنه لا يصح أن يدعى العموم في الأفعال، صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة، هنا صلى في الكعبة أي صلاة؟ فرض أو نفل؟ هنا لا يقال هذا فعل وبعمومه يدل على الحالين، لا يقال ذلك، لما؟ لأنه إنما فعل واحدة، إما هذه أو هذه، فهذا معنى كون الأفعال لا تنهض لأنْ تكون عامة؛ لأنها إنما كانت حالة واحدة، ولهذا قالوا العموم من عوارض الألفاظ من صفات النطق.
قال (وما يجري مجراه) ما يجري مجرى الفعل، مثل الأحوال الخاصة، قضى النبي عليه الصلاة والسلام في كذا وكذا، هذا فعل منه عليه الصلاة والسلام، قضى، نعم هو من جهة كالقول، لكنه من جهة النظر في العموم ليس قولا، وإن كان قضاؤه بالقول، لكن قضاءه كان مرتبطا بحالة معينة، وهي التي أرادها هنا الماتن، بقوله (الفعل أو ما يجري مجراه) مثل قضاؤه عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يؤخذ من قضائه عليه الصلاة والسلام في واقعة، أن هذه تشمل كل الوقائع؛ لأنه قضى في حالة خاصة، فلا يدعى العموم في أنواع أقضيته عليه الصلاة والسلام.
ذكرنا أنّ العموم من صفات النطق؛ يعني من عوارض الألفاظ، فهل تصح دعوى العموم في المفاهيم؟ هذه مسألة مهمة كثيرا ما يحتاج إليها الفقهاء والعلماء؛ يعني المفهوم سواء كان مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة، هل يصح، أو بالمقتضى؛ يعني هذه المفاهيم العامة هل يصح أن يقال إن المفهوم له عموم؟ هنا اختلف العلماء فكثير من الأصوليين من الحنابلة والشافعية وغيرهم يقولون إن المفاهيم تعم، المفهوم يعم، يقصدون بالمفهوم مفهوم المخالفة ومفهوم الموافقة.
ومفهوم الموافقة: معناه أن يشترك ما يفهم مع ما نطق في الحكم.
ومفهوم المخالفة: معناه أن ما يفهم يكون حكمه بعكس ما ذكر، أو بخلاف ما ذكر، أحسن من العكس؛ لأن المخالفة والعكس بينهما فرق؛ يعني يكون ما يفهم حكمه خلاف ما ذكر.