قال {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} إذًا السياق يتحدث عن المنافقين. ثم قال {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ} جعل علة النفاق عدم التدبر في القرآن. المنافق لا يجهل الحق على الأغلب، وإن كان بعضهم يجهل الحق، لكن على الأغلب المنافق يعرف الحق ولكنه يعارضه هواه. فجعل رد الهوى الذي عارض به الحق الذي يعلمه بماذا عالجه؟ بتدبر القرآن {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرً} .
ما أريد أن أقوله أن تدبر القرآن جعله علاجًا للهوى، فليس القرآن فقط مجرد معاني ومعارف ولكنه كذلك نور تُحرق بهذا النور نوازع الهوى في النفس، وتعطي الإرادة القوة من أجل النشاط للفعل في الطاعات وما يحبه الله ويرضاه.
فهذا موطن التدبر سياقه في الرد على المنافقين، لأن الناس يظنون أن التدبر من أجل المعاني فقط. فأنت تدبر القرآن من أجل أن تأخذ المعاني والمعارف، ولكن هل تدبر القرآن ينشئ لديك الإرادة للفعل؟ القرآن يقول هذا هو المقصد. بل لم يُذكر هذا اللفظ وهذا السياق في قوله {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ} إلا في هذا الموطن وموطن آخر هو كذلك مثله، انظروا إليه في سورة محمد سورة القتال آية عشرين إلى ما بعدها: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ} انظر السياق عن من، وكيف أن النفاق ملتصق بردة.
{وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ} يعني هوى. {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} ماذا قال بعدها؟ {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ} .
ما الذي يعالج النفاق؟ بل ما الذي يعالج ما هو أعلى من النفاق بعد ذلك وهو الردة، ما الذي يعالجه؟ القرآن. إذًا مشكلة النفاق سواء كان مما يتعلق بالعلم لأن هناك منافقون كثر يتعلق نفاقهم بالعلم وهذه تحتاج إلى شرح. وهناك نفاق يتعلق بالهوى والإرادة، والذي يعالج ذلك هو القرآن.