"وما تهوى الأنفس"هذا فساد الإرادة. ماذا أجاب الله -عزَّ وجلَّ-؟ قال: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} فالهدى لا بد أن يعالج العلم ويعالج الإرادة، ولذلك إذا أردت الخير كله فعليك بقراءة القرآن. فإذا أردت العلوم تدبّرت، وإذا أردت الإرادة قال {وَلِيَتَذَكَّرَ} يذكرك بالآخرة، ويذكرك بلقاء الله، وتنشط إرادتك للطاعات. ولذلك لما كان القرآن هو الذي ربّى الصحابة لم ينشئ لديهم معارف فقط بل أنشأ لديهم المعارف وأنشأ لديهم الإرادات.
لما الناس ابتعدوا عن القرآن وأخذوا ذات اليمين وذات الشمال ويريدون الموعظة من هذا الكلام أو من هذا الكلام ولم يذهبوا إلى القرآن ربما نشأت لديهم المعارف الصحيحة في باب من الأبواب لكنها لا تنشئ لديهم الإرادات اللازمة للفعل.
أنا أريد من إخواني أن ينظروا في القرآن ليروا أن الآيتين على عدم التدبر رُبطتا بالنفاق والردة، أريدكم أن تقرؤوا بأنفسكم. أين جاء قوله تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ} ؟ مع أن لفظ التدبر في القرآن جاء مواطن متعددة، لكن العيب على عدم التدبر أين جاء؟ في سياق من؟ هل جاء في سياق العلم، أم جاء في سياق الإرادة؟ في أول آية ورد فيها هذا في سورة النساء -وطبعًا نحن ممكن نقول رقم الآية على أساس أن المصاحف الوحيدة المنتشرة الآن هي بخط عثمان، فلا بأس أن نذكر رقم الصفحة وإن كان هذا ليس هذا من الطريقة العلمية في نسبة الآية كما ذكرنا في تفسير الأنعام، الأصل أن الآية تُنسب إلى رقمها والسورة فقط، لكن لا تُنسب إلى الصفحة.
انظر إلى الآية رقم 81 و 82 وما بعدهما في سورة النساء: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ} عمن يتحدث؟ يتحدث عن المنافقين."ويقولون طاعة"أي بظاهرهم وألسنتهم."فإذا برزوا من عندك بيّت"ذكر النية بعد أن ذكر اللفظ ما هم عليه في موافقتهم للمؤمنين، كشف البواقي. يعني يتحدث عن المنافقين الذين يخالف ظاهرهم باطنهم. قال"بيّت"فذكر باطنهم ويقولون، وذكر ما يقولون. {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} ما ذكر يكتب ما يقولون لأن هذا شيء مقرر، لكن هنا يكتب ما يبيّتون وذلك لما فيه من شر.