يعني لولا وجود الفاتحة ما علمنا لماذا القرآن، فهي ضرورية. اسمها الفاتحة، لولا وجود هذا المفتاح لكان ما وراء هذا الباب مغلق علينا لا نعرفه، فهي فاتحة تفتح لك المعاني.
فالذي أريد أن أقوله نحن نحاول أن نتذوّق هذا الكلام. نتذوّقه من خلال كلام الله، لأن كلام الله يحمل علمًا ويحمل إيمانًا. العلم هو الذي يغذي عقولنا والإيمان هو الذي يغذي إراداتنا، قال {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ} فلا بد من العلم والإيمان.
وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول إن أعظم ما جاء به القرآن هو العلم والإيمان. فالعلم أين توجهه؟ توجهه إلى معرفنا، إلى عقولنا. وأين توجه الإيمان؟ إلى إراداتنا. فهذا القرآن يحمل العلم الحقيقي، وكذلك بالورود إليه لا بد أن تصدر -ليس فقط في المعرفة، لا تصدر من القرآن فقط بالمعارف، لكنك تصدر كذلك بالإرادات من أجل النشاط لما يحبه الله ويرضاه.
القرآن هو غذاء ليس فقط للعلم -يعني عندما تذهب أنت إلى كتاب فلسفي ماذا تشتاق منه؟ لو افترضنا أنه فقط فيه العلوم، والكتاب الفلسفي لا يكون فيه إلا مسائل العقل والنظر، بغض النظر عما تقول من حق وصواب ماذا تخرج من هذا الكتاب؟ بمعارف عقلية، ولكن لا تخرج بمعاني قلبية، لا بد من نور. المعاني القلبية خاصة بهذا الكتاب وما اشتُق منه، وذلك مثل السنة، ومثل مواعظ العلماء، ولكنه هو الأصل. وذلك أنك إذا جئت إلى القرآن من أعظم منافعه أنه يقدم لك العلم، وهذا العلم طريقه التدبر.
وأما الإرادة قال {لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} . التدبر هو الذي يعطيك العلم."وليتذكر أولوا الألباب": ما معنى التذكر هنا في هذا الباب؟ يذكرك بمآلات ما تصل إليه. أن هناك جنة، هناك نار، هناك حساب، هناك موازين. هذه الذكرى تذكرك بالمآل فتوجب عليك السلوك الصحيح إليها وتنشط إرادتك للذهاب إلى ما تريد منها.
فالقرآن مادة عظيمة لا يوجد لها مثيل. إذا أردت أن تقوي إراداتك من أجل الطاعات، كأن تعجز عن قيام الليل، عجزت عن إدامة الذكر، عجزت عن الصلوات، عجزت عن الصلوات، عجزت عن أداء الزكاة، فأكثر من قراءة القرآن، فهو يعالج هذه الإرادات التي هي مضادة للهوى، قال الله -عزَّ وجلَّ-: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} . الظن يتعلق بالعلوم، والهوى يتعلق بالإرادات.