والله استأثر به، كأسماء الله وصفاته فهذه لا يعرف كيفيتها أحد. وهناك من العلوم ما نهانا الشارع عن النظر فيها لا لأنها باطلة في أصلها بل لأننا لا نستطيع إلى فهم أعماقها كقوله -صلى الله عليه وسلم-: (الناظر في القدر كالناظر إلى الشمس كلما ازداد نظرًا ازداد تحيرًا) .
يعني هناك من العمق من المعاني ما لا يبلغه أحد، لا يستطيع أن يصل إليه أحد. فهذا مما ينبغي أن نهتم به وبالتالي هذا الذي نقوم به نحن نحاول في هذه الدروس ولا نزعم أننا سنأتي بأشياء جديدة، ولا نزعم بأننا سنفتح آفاقًا لم تُفتح من قبل، إنما أطوف قبل هذا الدرس مع كتب أهل العلم، فننتقي منها ما يلزمنا وما ينفعنا إن شاء الله، وإن كان عامة ما يُلقى في كتب أهل العلم هو نافع وضروري لهذا الوقت ولكل وقت.
لكن ما هي فضائل مثل هذه المجالس؟ هي فضائل العلم، هي فضائل الإيمان. إن أفضل ما يتدارسه الناس هو كتاب ربنا. هذا كلام الله، وكلامه الذي تضمّن العلم الذي هو ضروري لحياتك، هذا القرآن وكلام الله يتضمن العلم الذي هو ضروري لحياتك الدنيا والآخرة وهو بيان لماذا خُلقت.
عندما يصنع الصانع مادته -ولله المثل الأعلى- عندما يصنع الصانع مادته وآله فإنه يضع معها الإرشادات، ويسمونها الناس الكتالوج، من أجل أن يعرف كيف يمشي، فنحن في هذه الدنيا لماذا خُلقنا؟ فلا بد أن يكون هناك كتاب (إرشادات) يعرّفنا كيف نعيش. هذا القرآن هو كلام الله؛ ولأن الأمر عظيم لم يحمّله إلا كلام عظيم. يعني المهمة التي خُلقت من أجلها هي مهمة عظيمة يجب أن يحمل هذه المهمة وسيلةٌ عظيمة، هذه الوسيلة هي كلام الله.
الوسيلة التي بها يصل الناس إلى مقصد وجودهم وكيفية حياتهم هو كلام الله، لماذا؟ لأنها أعظم الإرشادات في الوجود، ولأنها تحمل أعظم المقاصد في الوجود. هذه المقدمة فقط سأستعجل وأقول إن أحد علماء الإسلام الذين لهم باع طويل في البلاغة والتفسير قال بأن هذه الإرشادات لا بد من استدعاء أولي معها، ومن غير هذا الاستدعاء لا يمكن أن تلج إلى هذه الكتب. كلمة إرشاد هذه مني ولكنه يقول عن الفاتحة لولا الفاتحة لما علمنا القرآن، لنظرنا إليه ماذا يريد منا. هذا الشيخ دراز يقول هذه الكلمة، يقول إن الفاتحة تمثل الاستدعاء لما بعدها من مهمات الإرشاد اللازمة للحياة.