بعقله والتي تليق بحاله. فإذا ذهب إليها آخر عنده من أدوات العلم أكثر من العامي فإنه يذهب إلى هذه الأرض العظيمة النابتة بالخيرات أو إلى هذا المنجم المليء بالكنوز فيذهب إليه بمقدار ما معه من ضوء ومن آلات. فكلما ازدادت آلات المرء ذهب أعماقًا وذهب أبعد.
وبالتالي القرآن مادة لكل الناس، ولكل أحد. ولا يجوز لأحد أن يقول إن القرآن شاق، وهذه الأكذوبة إنما وُضعت ليس فقط على القرآن، وإنما وُضعت على كل تراث هذه الأمة للأسف؛ إذا جئنا إلى السنة قالوا السنة أصعب من كلام الفقهاء، وإذا ذهبنا إلى كلام الفقهاء قالوا إن كلام الفقهاء إنما ينفع لزمانهم، وإذا جئنا للقرآن قالوا إنه عمومات أو قالوا بأنه لا يصلح له إلا بأن تكون كذا وكذا.
مع أن هؤلاء الذين يُسمون بالمفكرين يذهبون إلى مناهج البحث والنظر ويتعبون في الدراسة من أجل الوصول إلى إدراك مصطلحات العلوم التي يتعلمونها؛ الاجتماعية والسياسية والثقافية ما يبذلون به الجهد الكثير. ومن راجع كتبهم وكلامهم يحس بالشفقة عليهم أنهم بذلوا سنين طويلة من أجل تعلم المصطلحات التي يقولها فلان من المفكرين والفلاسفة، ولو بذل هؤلاء من الجهد أقل مما بذلوه في هذه العلوم بذلوه في مادة آلات العلوم الشرعية اللازمة وعلوم الآلة اللازمة لتفسير القرآن لبلغوا من تفسير القرآن ما يحتاجونه من حصول النجاة وحصول المعارف الإيمانية.
فنحن في هذه الدروس نريد أن نقول بأن كتب التفسير إنما قيلت لمعاني زائدة عما يحسه العامي، ومرات يتكلمون عما يحسه العامي ولا يزيدون. يعني إذا ذهبتم إلى كتب التفسير بعض الناس يذهب فيجد كلامًا هو يعرفه، هذا ليس من العيب، بل هذا يدل على أن هذا القرآن هو كالنهر العظيم الذي يستقي منه كل وارد عليه ما يحتاجه وينتفع من العلم والإيمان {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ} فينتفع هذا الإنسان الوارد مهما كانت درجة علمه وتحصيله لأدوات وآلات العلوم فإنه إذا ذهب لهذا القرآن رجع من العلم حاملًا، ورجع من الإيمان حاملًا ما معه من الآلات، ما معه من الأواني التي تلزم بها ...
هذه قضية يجب أن نفهمها من أجل ألا يقول أحد أنا أقرأ فقط القرآن من أجل أن آخذ الأجر في تلاوته فقط، مع أن هذه التلاوة كذلك فيها الأجر العظيم حتى لو لم يفقه معناها. هل هناك أمور العامي يقف عندها؟ الجواب نعم، بل هناك من معاني القرآن ما لم يعرفه أحد وهو تأويل الأخبار، هذا لا يعرفه أحد،