أكثر ما يعرضون عن كتاب ربنا. يقرؤون لهؤلاء وهؤلاء وإذا سألتهم كم تبذل من ساعة في قراءة القرآن فحينئذ ترى الجواب!
والشيء لا تُعرف حقائقه ولا تُعرف جوانبه ولا تُعرف خفاياه إلا بالملازمة والمصاحبة. هل يحق لك بأن جلست معي جلسة واحدة أن تذهب فتتكلم عن كل جوانب إنسانيتي؟ الكرم، والشجاعة، والقول، ومعاملتي مع أهلي، هل أنا صادق في تجارتي، هل أنا وفي في وعودي، إلى آخره؟ لا تستطيع، كيف تستطيع أن تعرف كل جوانب حياتي؟ بالمصاحبة والملازمة.
وقد قلنا إن هذا القرآن هو كتاب الإرشاد لهذه الآلة التي خلقها الله، لهذا الوجود الذي أقامه الله. هذا الإرشاد لا يمكن أن تعرفه إلا بطول الملازمة. ولذلك أنا مع الأستاذ أبي الحسن الندوي -رحمه الله- لما قال -وهو أصلًا أوراده مؤرخ وله قراءات في التاريخ رائعة، ومن قرأ رسائله في رجال الفكر والدعوة للإسلام علم أنه يقرأ الرجال قراءة صحيحة وجيد، قال: أنا تعقبت جميع الذين نُسبوا إلى التجديد في هذه الأمة فوجدت لهم قاسمًا مشتركًا واحدًا وهو قيام الليل.
قيام الليل يعني ليست بركعة أو ركعتين، يعني أورادهم في قيامهم. ومن هنا جاء الحض (من قرأ عشر آيات لم يُكتب من الغافلين) كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح ابن حبان. من قرأ مائة آية كذا، ومن قرأ مائتي آية كذا. تقرأ، وإذا لازمته علمته، وفتح الله -عزَّ وجلَّ- عليك بالمعرفة.
وذلك أول ما ينبغي أن نهتم له، وهو أن نعيد الأمة إلى القرآن. وحديث عثمان (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) أبو عبد الرحمن السلمي قال ما أجلسني في مسجد دمشق ثلاثين عامًا أعلم القرآن إلا هذا الحديث! ثلاثين سنة وهو جالس في مسجد دمشق يعلم المسلمين القرآن، الأطفال والنساء، ثلاثين سنة ما أجلسه إلا لقوله -صلى الله عليه وسلم- (خيركم) .
وبعض الناس يظن أن (خيركم) يعني في الآخرة فقط. خيركم من تعلم القرآن وعلمه بمعنى أنه إذا قيل من خيركم في العلوم؟ هو من تعلم القرآن وعلمه. من خيركم في الفقه؟ من تعلم القرآن وعلمه. من خيركم في تعلم سنن الحياة؟ من تعلم القرآن وعلمه.