فهرس الكتاب
الصوفية هم الذين جعلوا المسلمين آخر الشعوب ، وهم الذين قضوا عليهم بالاستعباد، وهم الذين أوردوهم موارد الذل والضيم والهوان . إن أول صوفى تعمق في البحث عن عيوب النفس، وآفات الأعمال، وأغوار العبادات هو الحارث المحاسبي، وهذا الرجل - الذى كان قدوة لجميع الصوفية - كان من أعداء المال، ولم تكن عداوته للمال عداوة هينة، ولأنه ضرب على الوتر الحساس حين ذكر المسلمين بفقر الرسول، وهو يتخذ من فقر النبي ص حجة على شر الغنى، وأضراره بخير الدنيا والدين.. وكان الحارث المحاسبي رجلا قوى المنطق، زلق اللسان، وكان من أهل البصر بمكامن الضعف في النفوس، وقد مكنت له مواهبه الأدبية الذوقية من نواصي الناس، فاندفع يذم المال ذما بليغا، لم يصل إلى سمع ولا قلب آلا حول صاحبه إلى زاهد أواب.. ثم قال: كان المحاسبي رجلا مسيحي النزعة، يرى العلماء كالمنخل، يخرج منه الدقيق الطيب، وتبقى فيه النخالة، ويرى الحكمة تحرج من أفواههم، ويبقى الغل في صدورها، و يراهم أفسدوا أخرتهم بصلاح دنياهم. والحق أن الصوفية اختلط عليهم الأمر حين أحبوا التشبه بالأنبياء . فالمسيح تصوف لأنه رأى حب الدنيا يعصف باليهود . والنبى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفكر في إصلاح دنياه، لأنه شغل بتبليغ الرسالة، فكان مثله مثل الداعية الذى يريد أن يقطع جميع الألسنة، ويسلم من تلوم السفهاء.. و من المعقول أن يلوذ الأنبياء والمصلحون بالفقر، ليفرغوا لدعوة الخير، ولكن كيف يصبح الفقر شريعة؟ وكيف يصير من واجب الناس جميعا أن يعيشوا فقراء ؟ أن جانب الضعف في الأخلاق الصوفية أنها تجعل الفقر مما يجب أن يرغب فيه جميع الناس . ص _055