فهرس الكتاب
وأمير يظلف نفسه ويرتع عماله، فذاك الذي باع أخرته بدنيا غيره. وأمير يرتع ويظلف عماله، فذاك شر الأكياس!". * * * هكذا بقى العلم صحيح المنهج، سليم الوجهة، و لقد ظل قرونًا وهو بهذه النضارة يؤدى رسالته المزدوجة في ترقية الجماهير، وإلانة شكيمة الحاكمين، وإن اضطربت قواعد تعيينهم! غير أن الكياسة التي عرف بها أغلب الملوك القدامى، والصلابة التي أثرت عن جمهور العلماء، لم تستمرا على مر الليالي فلم يلبث الانفصال بين الجانبين أن اتسع مداه، وقد كان من الصعب أن يبقى مجال العلم زاخرا فياضا مع شرود الحكم عن صراط الله. وتاريخ الاستبداد ناطق بأن السلاطين والأباطرة يضيقون باليقظات العقلية ويتوجسون خيفة من انتشار المعارف، وقد يسمحون بنوع خاص من العلم يعيش في كنفهم وحده، لكن تضييق الخناق على العلم في ناحية يخمد النشاط في نواحيه الأخرى، ويجعله علما قليل الجدوى. وقد أخذ العلم في البلاد الإسلامية ينكمش! رويدًا رويدًا، وبدت آثار هذا الانكماش في إغلاق باب الاجتهاد، والاكتفاء بما وصل إليه العلماء الأوائل من أحكام في شتى ميادين الثقافة الإسلامية. وإيصاد الأبواب أمام حركات الفكر الإنساني- وإن بدأ عندنا في مجال الفقه- أضر بكياننا العلمي والأدبي، شل الهمم في كل مجال، فضعف الابتكار في ميادين الأدب واللغة بل مات!. ... وكذلك الشأن في آفات الحياة العمرانية، فإن التجديد والاكتشاف في علوم الكون توقفا، ثم ظل الهزال يتمشى في أوصال الأمة كلها حتى كدت تحس منها برودة الموت. وكان حكم الأتراك للأمة الإسلامية طورًا مشئوما في تاريخها ، ص _092"