فهرس الكتاب
الإحسان الجماعي، فسر ذلك ما وقر في بيئاتهم من عصور بعيدة، إذ انصرفت الحكومات إلى مكاسب الحكم وأهملت القيام على تعاليم الإسلام في حرب الجوع والبطالة فحمل الأفراد من تلقاء أنفسهم الواجبات التي يقدسونها بوحي من تدينهم، واستمساكهم الشديد بهذا الإسلام الحنيف . وقد وقف آلاف المحسنين أموالا طائلة، وأبدوا ريعها في وجوه الخير، واستقصوا الآم الناس ليمسحوها بما أفاء الله علم من فضل الغنى، فماذا انتهى إليه أمر هذه ا لأوقاف ؟ كان الأفراد الأبرار يرصدون الصدقات الدائمة، فيجئ الحكام الظلمة ليغتصبوها، ويضعوا أيديهم عليها . كما فعل محمد على باشا وغيره من السابقين واللاحقين!! فانظر ما لقى الإسلام من حفاوة الأفراد، وغباوة الحكام!! * * * ثم يجئ ميدان العلم! وقد أبنا الفجوة والجفوة التي نشأت بين الحكام والعلماء وكيف تطورت حتى جعلت الحكام ينفضون أيديهم من مظاهر الاهتمام الحق بتشجيع التعليم، وتوسيع نطاقه . لقد سقط المستوى الثقافي بين جماهير المسلمين سقوطًا لا يعرف له نظير في الدنيا . وما أصاب الإسلام من كوارث الاستعمار العالمي يرجع إلى ظلمات الطيش والجهالة التي خيمت على كل مكان في بلادنا . وما بنى من عناصر المقاومة لهذا الغزو العنيد يرجع إلى بقايا المعاهد والمدارس التي أمسكت رمقها تقاليد الخير بين العامة. أجل، فان جمهور المسلمين كان يوقر العلم من أعماق قلبه، ويجل من له أثاره من علم إجلالًا غريبا وخصوصًا من له دراية بالقرآن والسنة . ص _095
وقد ظلت مكاتب تحفيظ القران الكريم متشبثة بالحياة في أعماق القرى مندفعة بقواها الخاصة، دون رعاية من الحكام، حتى منتصف القرن الرابع عشر للهجرة. إذ بدأت تندرس، لتحل محلها المدارس المدنية !
وفى هذه المكاتب، التي كان يحرسها آباؤنا بما يقتطعون من أقواتهم الضئيلة بدأت تعليمي، ثم ذهبت إلى معهد الإسكندرية .