فهرس الكتاب
ومع اتساع الغارة على الإسلام وقوتها وشدة بطشها، وخبث وسائلها ودهاء ساسة العرب، وسعة حيلتهم، ومجيئهم إلى العالم الإسلامى في هذه المرة وسط موكب من التفوق العلمى والإقتصادى، ومع ضعف حواجز المقاومة في أرجاء الرقعة الإسلامية الفسيحة، بعد ما بلغ الفساد السياسى والثقافى فيها حدا مخزيا، مع ذلك كله فإن المسلمين قاوموا ببسالة هذا الانسياح الذى صحوا بغتة على وقع سنابكه، وفتك مهالكه 0 نعم قاوموه. ومازالوا يقاومونه حتى كتابة هذه السطور. وبعض الناس يحسب أن النصر في هذا الكفاح قريب ولعله ينظر إلى التضحيات التي قدمها المسلمون وهم يمنعون الغزاة من القرار في أرضهم، فيحسب أن هذه التضحيات ثمن عادل للنصر المرتقب. وعندى أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. وأن ما قدمته الأمة الإسلامية من ضحايا لتحرير نفسها ليس إلا بعض ما يجب عيها، بل لعل مغارمها في هذا السبيل بعض العقوبة التى تستحقها، لتفريطها في جنب الله، وذهولها عن فهم رسالتها، وحسن أدائها. واللوم لا يقع على الجماهير. فجماهير المسلمين من خيرة خلق الله استجابة للحق، ونصرة لأصحابه، وقد كانوا- ومازالوا- آخر الطبقات التى اعتراها الفساد بعد أن فسد الأمراء، ثم فسد عام مكث العلماء- كما شرحنا آنفا!! ولو وضع برنامج لعودة الرسالة الإسلامية إلى سنائها القديم، وتألقها العظيم، ثم طهر الطريق أمام هذا البرنامج عن عقابيل الاستعمار، وعوائق الحاكمين بأمرهم، فإنه لن تمضى بضع سنين، حتى يستعيد المسلمون أمجادهم الأولى، ويستأنفون عملهم المبرور في منع المظالم، وتحرير الأرقاء، ولفت الناس إلى ربهم، وتمسكهم بهدى آياته. والحق أن القاعدة الشعبية سليمة، وأن هذه السلامة يشوبها كدر كلما اتجهنا إلى القمة، مبتعدين من قاعدة الهرم إلى رأسه، أو إلى ما يسمى بالدوائر العليا.. ص _103