الصفحة 24 من 110

وبما مر يتضح غاية الوضوح أن القبر المزعوم الذي يزوره الناس، ويخصونه مع البقعة التي هو فيها بالتقديس، ويلفقون له أكاذيب يوهمون بها العامة، أنه موضوع مقدس، وأنه قد جمعت فيه فضائل ومناقب، أن ذلك خرافة لا أساس لها من الصحة، وإنما تدل على جرأة القوم على الله، وعدم تورعهم في الكذب عليه، وأنهم يستحلون في سبيل الحصول على أغراضهم وأهوائهم كل وسيلة، وإن كانت من أشد المحرمات وأكبر الموبقات، وأنهم لا يوثق بهم في نقل ولا يركن إليهم في أمر من أمور العقيدة والسنة، والله المستعان.

الباب الثاني

هدي الإسلام في التعامل مع قبور الأنبياء والصالحين وهدي اليهود والنصارى

الفصل الأول

هدي الإسلام في التعامل مع القبور

المبحث الأول: موازنة الإسلام بين مصالح الأحياء والأموات والحفاظ على كرامة الأموات وعقيدة الأحياء:

من مزايا الإسلام شموله واكتماله ووسطيته واعتداله، وموازنته بين المصالح والمفاسد، بحيث لا يحث على جلب منفعة يترتب عليها حصول مفسدة، أو تفويت مصلحة أعظم منها، ومن هذا المنطلق جاءت نظرته إلى مقابر المسلمين، فحفظت للأموات كرامتهم، وشرعت ما فيه مصلحتهم، ونهت أن تقدس القبور تقديسًا يؤدي إلى تعظيمها في نظر الأحياء وافتتانهم بها، والاعتقاد في أصحابها ما لا يجوز اعتقاده إلا في الله.

فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن امتهان المقابر، بجعلها مواطن لقضاء الحاجة، وعن وطء القبور والجلوس عليها وعن كسر عظام الميت، وحذر علماء المسلمين وفقهاؤهم من نبش القبور لغير مصلحة تعود إلى الميت أو ضرورة تلجئ إلى ذلك، وأرشد الرسول صلى الله عليه وسلم الماشي بين القبور أن يخلع نعليه، وهذه الأمور فيها غاية الحفاظ على قبور المسلمين وغاية التكريم لأمواتهم، وحتى لا يؤدي تكريم أموات المسلمين والحفاظ عليهم إلى تقديسهم والغلو فيهم فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يؤدي إلى ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت