إن الله سبحانه يريد أن يرتبط العباد به سبحانه وتعالى ولا يتعلقوا بأحد من العباد ولو كان أفضل الأنبياء يقول تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} .
ولهذا ينبغي للأمة أن ترتبط بخالقها سبحانه وتوطن نفسها على العمل الجماعي، ولا ترتبط بفرد معين بل توطن نفسها على العمل مع أعلامها، فتشاركهم في العمل ولا تنحصر في أعمالهم، ثم توطن الأمة نفسها على سد الثغرة من بعد فقد أعلامها.
لقد فقدت الأمة نبيها صلى الله عليه وسلم وارتد أكثر أهل الجزيرة فما أعظم المصيبة!
ولكن الأمة التي ارتبطت بخالقها - سبحانه وتعالى - استطاعت تجاوز الأزمة، وهب أبو بكر وهب الصحابة معه وخلال سنتين فقط عادت الجزيرة كلها إلى الإسلام، وانتصر المسلمون على أكبر دولتين في ذلك العصر الفرس والروم في معارك كثيرة.
هكذا استطاعت الأمة أن تسد الثغرة التي حصلت بفقد النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا ينبئ عن القيادة الموفقة للنبي صلى الله عليه وسلم والتربية النبوية العظيمة؛ فإن المصلح العظيم ليس الذي يحقق الإنجاز العظيم وحسب، بل الذي يحافظ عليه ويرسخ قواعده ليبقى من بعده.
وهذه الأمة هي خير الأمم فقدت نبيها فأحسنت القيام بالدعوة من بعده، فليست كبني إسرائيل مثلا كانت الأنبياء تسوسهم كلما هلك نبي خلفه نبي، ومع ذلك كان كثير من أمة بني إسرائيل عصي على الخير، غاب عنهم موسى عليه السلام ليالي وخلف عليهم هارون عليه السلام فعبدوا العجل حتى رجع موسى عليه السلام ثم حصل بعد ذلك كثير من التمرد والعصيان من كثير منهم إلا من رحم الله.
وأما هذه الأمة فنشرت بعد نبيها الدعوة في أنحاء الأرض، وذلك من فضل الله عليها.
ولا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. وتجتمع هذه الأمة في آخر الزمان اجتماعا عظيما وتكون الدعوة لله واحدة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما،