رسول الله صلى الله عليه وسلم (أما أن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا ومن تركها لم يعدم غيًا) [1] ..
وعن قتادة (أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم، أو أن تكون سنة بعده لأمته) [2] ..
وقد ثبت أنه شاور أصحابه في شتى الشؤون، فقد شاورهم في بدر، وفي أحد، وفي الخندق، وفي خيبر، وفي تبوك، كما شاورهم في الأسرى والسبي، وفي سن الأذان، وفي إقامة المنبر، وغير ذلك من الأمور ..
ومن السنن العملية أن الشورى إذا كانت في الأمور التشريعية فالحجة لقوة الدليل، وإذا كانت في الأمور الفنية فالحجة لأهل الخبرة والاختصاص .. أما في طلب الرأي الذي يرشد إلى القيام بعمل من الأعمال كانتخاب رئيس أو والٍ أو إقرار مشروع فيرجح رأي الأكثرية .. وهنا يقول الآمدي (( إن الكثرة يحصل بها الترجيح ) ) [3] .
وللشورى من حيث إلزاميتها واختياريتها ضروب لا تخرج في جوهرها عن حكمة مشروعيتها، وإن تعددت هذه الضروب بتعدد الأقضية .. فهناك الشورى الجماعية ذات الإلزام، والشورى الاختيارية التي تطلب من أهل الاختصاص، علاوة على الفتوى الفقهية الاستشارية ..
وتعد الفتوى والاجتهاد الشرعي بابًا من أبواب الشورى .. فكل ما هو خاضع للاجتهاد خاضع للشورى، إذ الشورى اجتهاد جماعي، يصل به الباحثون المستشارون إلى معرفة الحكم في المسائل التي لا يتوافر عنها نص صريح أو إجماع بيِّن .. وفي المسائل الفقهية إنما يسأل أهل العلم بالأحكام الشرعية والفقه فيها ..
ومتغيرات العصر ومستجدات الحياة تواجه المسلمين بأقضية جديدة تحتاج لاجتهاد جماعي، علاوة على أنهم في تجديدهم لأمر الدين يحتاجون إلى تأصيل سائر مناهج الحياة وأنساق القوانين والنظم، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، سواءً في نشاط الدولة أو حركة المجتمع، وذلك، بردهما جميعًا إلى أصول الدين وأحكام الشريعة .. وهذا يقتضي تنظيم الاجتهاد الجماعي بتأسيس المجالس وعقد المجامع، وهي تضم العلماء والخبراء، والذين يهتدون بمنهاج الاجتهاد، وفقه المقاصد، وفقه المصالح ..
الشورى عند الخلفاء الراشدين
أما المرجعية الثالثة لمشروعية الشورى فهي سنة الخلفاء الراشدين في اتباعهم للكتاب والسنة، (فقد كان الأئمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوهما إلى غيرهما اقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم ) ) [4] ، وقد سار الخلفاء الراشدون سيرة السنة في ممارسة الشورى والحض عليها والقبول بها ..
(1) أخرجه ابن العربي والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح، والألوسي، روح المعاني 4/ 94.
(2) هكذا جاء في تفسير الطبري، ج 4، ص 152.
(3) الآمدي في الأحكام، 1/ 340.
(4) صحيح البخاري، ج 6، باب قول الله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) ، ص 2682.