الصفحة 7 من 23

الشورى والمؤسسات التشريعية الحديثة

ولإدخال الشورى بمبادئها وقيمها في المؤسسات التشريعية الحديثة يمكن الأخذ بتحديث الوسائل والنظم طالما أنها تخدم هذه المبادئ والقيم، دون تفريط في جوهرها ومقصدها من إشاعة المناصحة والمراقبة والمحاسبة .. وذلك على النحو التالي:

[1] الفصل في الشورى:

وإذا جرت الشورى فلم تحقق إجماعًا، لجأ النّاس إلى الفصل في الأمر برأي الأكثرية الراجح.

يرى الماوردي أنّه: (إذا اختلف النّاس على إمام للمسجد في المساجد غير السلطانية، فإنّ الإمام من يختاره الأكثرية) [1] .

ونُقل عن الإمام الشافعي أنه إنْ لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا سنة؛ كان قول الخلفاء الراشدين أحب إليه من قول غيرهم، فإنْ اختلفوا صار إلى القول الذي عليه دلالة، وقلما نجد اختلافهم من ذلك، وإنْ اختلفوا بالأدلة نظر إلى الأكثر، فإنْ تكافأوا نظر أحسن أقاويلهم مخرجًا [2] .

واختيار الإمام رأيًا غالبًا ما يحسم الخلاف: (فالقول ما حكم به الحاكم -رئيس الدولة- على الأوضاع الشرعية) .

وهو اختيار مؤسس على طاعة الله تعالى: (ولا يجوز لرئيس الدولة، ولا لأحدٍ، أنْ ينشئ حكمًا بالهوى واتباع الشهوات، بل لابدّ من أنْ يكون ذلك القول الذي حكم به قال به إمام معتبر) .

وإنّما كان ذلك: (لأنّ الإمام -رأس الدولة- هو الذي فوّضت له السياسة العامة في الخلائق) .

وأيضًا: (لأنّ حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف) .

وعليه، فالإمام هو صاحب الصلاحية في ترجيح جانب الصواب عند الاختلاف، ورأيه في ذلك هو الذي يمنح الرأي القوة القانونية لتنفيذه وسريان أحكامه.

وإنّ المشاورة إنما تكون قبل العزم والتبيُّن لقوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} ، أي: فإذا عزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لبشرٍ التقدُّم على الله ورسوله.

{فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ} : لإمضاء ما عزمت.

قال الرازي: دلّت الآية على أنّه ليس التوكل أنْ يُهْمِل الإنسان نفسه، كما يقول بعض الجُهّال. وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيًا للأمر بالتوكل، بل التوكل هو: أنْ يتخذ الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعوّل بقلبه عليها، بل يعوّل بما فيه التوكل على الله {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} .

-ويجوز الاعتماد على رأي الفرد في الأمور الفقهية المحدّدة لا سيّما تلك التي يتعلق التمحيص بدلالتها أو إيراد الثبت في صحة سند ورد بشأنها إذا كان ذلك الفرد عالمًا بما اتفق عليه سادة الأنصار، وكان الأنصار أَوْلَى بالمشورة فهم أصحاب النخيل التي طلبت غطفان نصف ثمرها.

[2] مشاركة المرأة في الشورى:

ومما يدل على جواز مشاركة المرأة في الشأن العام قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] وهذا يعني مشاركتها في أمر الشورى ... وفيما يلي دلالات هذه المشاركة.

[1] يجوز اشتراك المرأة في مجالس الشورى، حيث لا مانع شرعًا، والواقع أنّه لا أثر لشيء من الذكورة أو الأنوثة في مسألة الشورى والفتوى والتعليم، إذ كل المطلوب هو: العلم والأمانة والرأي السديد، وربما كانت المرأة أكثر علمًا كما يدل على ذلك حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أنّه قال: (ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علمًا) [3] ..

وقال عطاء: (كانت عائشة أفقه النّاس وأعلم النّاس وأحسن النّاس) [4] .

فما الذي يمنع المرأة من الشورى، وهي مأمورة بأنْ تنصح لله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بل في السيرة النبوية ما يدل على استشارتها والأخذ بمشورتها كما كان من أم سلمة يوم الحديبية.

ومن خبر الصحابة - رضي الله عنهم - في ممارستهم للشورى في اختيار الحاكم، أنّ عبد الرحمن ابن عوف - رضي الله عنه - بقي يشاور ثلاثة أيام وأخبر أنّ النّاس لا يعدلون بعثمان، وأنه شاور حتى العذارى في خدورهنّ [5] .

ولعله يؤخذ من مبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء مبايعة خاصة مستقلة عن الرجال أنّ الإسلام يعتبرهنّ مسؤولات عن أنفسهنّ مسؤولية مستقلة عن الرجال.

عن عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللَّه عَنْهمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) [6] .

[2] ودلالة حديث أم هانئ: (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ) [7] . أنّ المرأة لها حق

(1) الماوردي: الأحكام السلطانية الولايات الدينية، ص102.

(2) انظر: ابن قيم الجوزية: أعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الجيل للنشر والطباعة، 4/ 122.

(3) سنن الترمذي المُجَلَّد الخَامِس. أبواب المَنَاقِب عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. باب ما جَاءَ في فضل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه. الحديث رقم: 3970 ..

(4) ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة، 4/ 392.

(5) ابن تيمية: منهاج السنة، 3/ 233، وابن كثير: البداية والنهاية، 1/ 146 (حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهنّ) .

(6) صحيح البخاري، كتاب الجمعة، برقم 844.

(7) أخرجه الشيخان: البخاري في كتاب الصلاة برقم 344، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم 1179. ونص الحديث كما في صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلانَ ابْنَ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:(قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ) قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت