الصفحة 9 من 23

فكل من صح له أنْ يفتي في الشرع، جاز له أنْ يشاوره القاضي في الأحكام. فتعتبر فيه شروط المفتي ولا تعتبر فيه شروط القاضي، فيجوز أنْ يشاوِر المرأة، إذ يجوز أنْ تستفتى وتفتي.

أما الحنفية، فهم يجيزون للمرأة أنْ تتولى القضاء أيضًا، في كل ما يحق لها أنْ تشهد فيه، فضلاًَ عن الفتوى والشورى. ويقول صاحب"بدائع الصنائع" [1] : [وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد ـ أي تقليد القضاء ـ في الجملة، لأنّ المرأة من أهل الشهادات في الجملة، إلا أنها لا تقضي في الحدود والقصاص، لأنه لا شهادة لها في ذلك. وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة] .

وهذا مذهب الظاهرية أيضًا كما نص على ذلك ابن حزم.

ولهذا فإنّه لا أصلّ لمقولة متداولة بين الناس: (شاوروهنّ وخالفوهنّ) .

وحول اشتراك المرأة في مؤسسات الشورى؛ يرى بعض الفقهاء المعاصرين أنّ الأرجح عنده هو (الجواز بإطلاق، أي أنْ تكون المرأة ناخبة ومنتخبة، لأنّ كونها ناخبة لا يعدو أنْ تكون شاهدة، وهي أهل للشهادة باتفاق. وأما كونها منتخبة فهو لا يفوق في أهميته أمر إفتاء المرأة واجتهادها، وهو جائز بالإجماع) [2] .

فتلك الأحداث والأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين - رضي الله عنهم -، وهذه النصوص والنقول من أمهات كتب الشريعة الإسلامية وأمثلة ذلك كثيرة في سائر المصادر الفقهية على اختلاف المذاهب.

[3] أهلية الشورى:

أهلية الشورى في المسائل العامة لا تقتصر على الذكورة أو الأنوثة أو الخبرة أو التخصص أو السن، بل كل فئات المجتمع الإسلامي يمكن أنْ يُستشاروا حتى الأطفال والصبيان:

[1] كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إذا ورد عليه حكم، نظر في كتاب الله تعالى، فإذا وجد ما يقضي به قضى به، وإنْ لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنْ علمها قضى بها، فإنْ أعياه ذلك جزع فسأل النّاس: (هل علمتم أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه رسول الله بكذا. فيأخذ بقضاء رسول الله ويقول عند ذلك:"الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا"، فإن لم يجد سنّة سنّها النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع رؤساء النّاس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به [3] ، وهذا من استشارة العلماء والعامة.

[2] فقد كَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا [4] .

[3] وعن يوسف بن الماجشون قال: قال لي ابن شهاب ولأخ لي وابن عم لي ونحن صبيان: (لا تستحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإنّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان

(1) الكاساني: بدائع الصنائع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/2، 1406هـ- 1986م، 7/ 3.

(2) د. أحمد عبيد الكبيسي: رأي الإسلام في إشراك المرأة في مؤسسات الشورى، كتاب الشورى في الإسلام، المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، عمان، 1989م، 1106.

(3) البيهقي: السنن الكبرى، طبعة دار الفكر، 10/ 114 - 115، وكنز العمال، 5/ 60.

(4) البخاري في كتاب الاعتصام باب وأمرهم شورى بينهم، 3/ 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت