الصفحة 6 من 12

ثم هو سبحانه قدر لكل مخلوق وظيفته وغايته فهداه إلى ما خلقه: { قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [طه: 49-50] .

«اللهم اهدنا فيمن هديت» هداه إلى ما خلقه لأجله، وقدر له ما يصلحه مدة بقائه، وهداه أيضًا إليه بآياته الكونية والشرعية، وبيَّن له سبيل النجاة أو الشقاء، وهدى الأنعام لمرتعها، وهدى الطيور للعودة من مهاجرها، فالعصفور الهزاز يهاجر جنوبًا في الخريف ليعود إلى عشه في الربيع التالي، والحمام الزاجل إذا تحير من جراء أصوات جديدة عليه في رحلته الطويلة يحوم برهة ثم يقصد قدمًا إلى موطنه دون أن يضل فسبحان ربي الأعلى { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى } ، والنحلة تجد خليتها مهما طمست الريح في هبوبها على الأعشاب والأشجار { قَدَّرَ فَهَدَى } .

والحصان العجوز لو ترك وحده فإنه يلزم الطريق مهما اشتدت ظلمة الليل، ويقدر أن يرى ولو في غير وضوح لأنه يلحظ اختلاف درجة الحرارة في الطريق وجانبيه، ويرى بعينين باثرتا قليلًا بالأشعة تحت الحمراء التي للطريق فسبحان ربي الأعلى { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى } .

والبومة تبصر الفأر اللطيف وهو يجري على العشب البارد مهما تكن ظلمة الليل، ونحن نقلب الليل نهارًا بما نسميه الضوء، فسبحان ربي الأعلى { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } وكل الحيوانات تسمع الأصوات التي يكون كثير منها خارج دائرة الاهتزازات الخاصة بنا، وذلك دقة تفوق كثيرًا حاسة السمع المحدودة عندنا.

وإحدى العناكب الماشية أوتيت من علم الهندسة والتركيب والملاحة الجوية ما يجعلها قادرة على أن تنسج عشًّا على شكل بالون من خيوط العنكبوت، وتعلقه بشيء من تحت الماء تمسك ببراعة فقاعة هواء بشعر جسمها وتحملها إلى الماء ثم تطلقها تحت العش، وتكرر هذا العملية حتى ينتفخ العش وتلد صغارها وتربيها آمنة عليها من هبوب الهواء فسبحان ربي الأعلى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت