فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 247

المعالم الأولى في عظمة محمد صلى الله عليه وسلم ملكتنى الدهشة وأنا أقرأ كيف أسلم عكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية، وكيف استقبل النبى الكريم بمشاعر الحفاوة والفرحة هذا الإسلام الذى تأخر كثيرا، وسبقته عداوات رهيبة. أما صفوان فأبوه أمية بن خلف الذى تولى تعذيب بلال وكاد يزهق روحه تحت وطأة الصخر واللهب، والذى لم يدع بابا لإيذاء الإسلام ونبيلا إلا ولجه! ولذلك لما رآه بلال فى (بدر) أسيرا صاح: أمية رأس الكفر! لا نجوت إن نجا! وأجهز عليه. وأما عكرمة فأبوه فرعون الوثنية، وموقد العداوة والبغضاء ضد عقيدة التوحيد ومعتنقيها، وقد سماه المسلمون أبا جهل بدل أسمه القديم أبى الحكم لشدة ما يلقون من بطشه. ولم يكن ابنه ـ حتى فتح مكة ـ خيرا منه! بل إن عكرمة وصفوان وآخرين من ذوى الشراسة والتعصب رفضوا السلام الممنوح لأهل مكة وقرروا المقاومة لآخر رمق. فلما يئسوا من النتيجة تركوا جزيرة العرب فارين بكفرهم إلى أرض أخرى. ولكن لله قدرا آخر، وهو أعلم بخلقه! إن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ المنتصر لم يكن طالب ثأر، ولا ناشد قصاص، كانت الرغبة المستولية عليه أن يفتح أقفال القلوب، وأن ينقذ التائهين الحيارى، وأن يعالج الأخطاء القديمة بالرفق، وأن يلقى الأحقاد بالعفو، وأن يحبب الناس في الإسلام، وأن تقر عيناه برؤيتهم يدخلون فيه أفرادا أو أفواجا. إنه رحمة مهداة، إنه رسول يقود العباد إلى ربهم وليس بشرا ينزع إلى التسلط والجبروت، ما انتقم لنفسه قط، ولا طلب لها علوا في الأرض. ولنسرد الشواهد على ذلك من أحداث التاريخ.. جاء عمير بن وهب إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول له: يا رسول الله.. صفوان بن أمية سيد قومى خرج هاربا ليقذف بنفسه إلى البحر وخاف ألا تؤمنه! فأمنه فداك أبى وأمى، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"قد أمنته". ص _104

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت