فهرس الكتاب
عليه الإسلام، فقال عكرمة: والله ما دعوت إلا إلى الحق، وإلى كل أمر حسن جميل، قد كنت والله فينا- قبل دعوتك هذه- أصدقنا حديثا وأبرنا برا. ص _105
وأعلن الرجل إسلامه في مشهد نابض بالصدق، كاشف عن مستقبل عامر بحب الله ورسوله. وكان مطأطئا رأسه حياء من النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال: يا رسول الله.. استغفر لى كل عداوة عاديتكها، أو مركب أوضعت فيه أريد إظهار الشرك والصد عن سبيلك. فدعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ له.. فقال عكرمة: أما والله ما أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالا قاتلت في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله. *** بهذا الخلق العظيم كان صاحب الرسالة الخاتمة يصنع السلف الأول إنه لم يصنعهم على هذا الغرار ليؤمنوا به وحسب، إنه يريد أن يؤمنوا وأن يحملوا إلى غيرهم الإيمان وأن يزيحوا من أمامه العوائق، إنهم بناة تاريخ مديد، ودعائم رسالة تستوعب الزمن كله. إن صحابة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشدهم إليه جاذبية معنوية كهذه الجاذبية المادية التى تربط الشمس بكواكبها وأقمارها، وتنظم ما أودع الله فيها من طاقة وضوء. فلننظر كيف وفى عكرمة بعهده لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال التاريخ: عندما التقى الروم والعرب في معركة اليرموك وضع خالد خطته على أن يتحمل قلب الجيش الإسلامى عبء المعركة، وأن يحتفظ هو بالجناحين ليلتف بهما حول الروم في الوقت المناسب. والروم أضعاف المسلمين أربع مرات، فكيف إذا تصدى لهجمتهم القلب وحده؟ كان الموقف صعبا جدا، وتهشمت صفوف أمام وطأة الرومان، وزلزلت أقدام البعض. وهنا صاح عكرمة: قاتلت رسول الله في مواطن كثيرة وأفر اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فانضم إليه أربعمائة من طلاب الشهادة، ومن وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق كثير. بيد أن قلب الجيش صد