فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 247

يبقى في أصوله النظرية مصونا من كل شائبة. وظل هذا التواتر للقرآن الكريم كلمة كلمة، وللسنة في الجملة، فتوفرت للرسالة الخاتمة عناصر الخلود، وظلت وسوف تظل كلمة الله الأخيرة للخلائق أجمعين حتى انتهاء الدنيا. أما الأمر الآخر، فإن الصحابة رضى الله عنهم هم الذين جعلوا عالمية الرسالة حقيقة واقعة فإن النبى عليه الصلاة والسلام لحق بالرفيق الأعلى ودينه لم يتجاوز حدود جزيرة العرب، وقد علم الأصحاب الكرام أنه مبعوث للعالم كله، فشرعوا ينساحون في الأرض مبشرين ومنذرين. ولم يكن الطريق سهلا، فإن رعاع العرب داخل الجزيرة العربية حاولوا إعادة الليل المدبر وإحياء الجاهلية المسحوقة، كما أن مجوس الفرس وصليبيى الرومان اعترضوا بالعنف مسار الدعوة. ص _107

غير أن الجيل الذى رباه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان صلب المعدن، شديد البأس، جمع بين الصرامة والكرامة، فلم تلن قناته، ولم يضرع أمام قوى الباطل! إنه نازلها كلها حتى كسر شوكتها وأسقط دولتها.

إن تربية محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذا الجيل معجزته الكبرى بعد القرآن الكريم، إنى أحس في أولئك الأصحاب ذوب نفسه عليه الصلاة والسلام، ونبل شمائله، وعمق عبادته وحبه الجارف لذات الله واستعلائه الفذ على مآرب الدنيا.

وصحبة العظماء نعمة جليلة، إن ساعة مع جليس صالح تنفحك من خلائقه ما ينفحك حامل المسك، كما ذكر ذلك النبى الكريم، نعم.. قد تستفيد فكرة نيرة أو خلة طيبة، أو قدوة حسنة ذاك في لقاء عابر، فكيف إذا طال اللقاء ودامت العشرة؟

ذكر مطعم بن جبير أن قلبه كاد يطير من الرغبة والرهبة والخشوع وهو يسمع النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ بسورة الطور في صلاة المغرب.

فكيف بمن صلى وراءه بالقرآن كله آلاف الركعات؟ وخالطه في شئون حياته وتقلبه بين الناس؟

إنه جيل لا نظير له في تاريخ الرسالات، وتعرف ذلك بالموازنة العادلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت