فهرس الكتاب
الشرق المحمدى لا يحجبه دخان وإن كثرت المداخن في أقل من ربع قرن كانت الخطة قد وضعت لتغيير مسار العالم، ورسم أهداف جديدة لحركاته وسكناته، وكانت نماذج من التنفيذ الدقيق قد تمت على صحراء الجزيرة بين يدى الرسول الخاتم ـ صلى الله عيه وسلم ـ وتحت إشرافه وتوجيهه. وكما يصنع العلماء مركبة لغزو الفضاء، ويحكمون آلاتها وصماماتها ومفاتيحها ومغالقها ووقودها وأغذية من بها وتراتيب الذهاب والإياب ثم يطلقونها لتأخذ مدارها المرسوم، كذلك أعدت الأقدار الأمة العربية لتجديد عقل العالم وضميره، والعصف بفلسفات وطرائق طائشة في سياسة النفس والحكم والمال، وإمداد الناس كلهم بدين يحترم الحق وحده، وينشئ مناهج أخرى تمحض العبادة لله، وتقيم الحكم على العدل، وتجعل الأمراء حملة أمانات يسألون عنها في الدنيا والآخرة، وتقسم حقوقا معلومة للفقراء في أموال الأغنياء، وتقرر الأخوة العامة بين أجناس البشر. أبعاد التغيير: ماذا كانت عليه الدنيا بعد بعثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم ماذا شرعت تستقبله بعد لحاقه بالرفيق الأعلى وانطلاق تلامذته في العالم يمدون رواق الرحمة المهداة! ويكسرون القيود التى طالما رسفت فيها الشعوب؟ إن النقاد المنصفين والمؤرخين العدول يقررون أنه لم يتح لبشر قبل محمد عليه الصلاة والسلام أو بعده أن أحدث مثل هذا التغيير الشامل في أحوال العالم أجمع وليس المهم التغيير! المهم طبيعته ووجهته إنه بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم أخذت الحضارة طريقها صعدا إلى أعلى وكانت من قبل قد أسفت ولصقت بالحضيض.. لما قرأت كتاب (القمم المائة الأولى) رأيت المؤلف يذكر كأنه مضطر إلى جعل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أول هذه القمم، وإن لم يكن على دينه! لأن الدلائل كلها إلى جانبه.. قلت: إن هذا الرجل الذكى لمح أحد جوانب العظمة في شخصية محمد عليه الصلاة والسلام إنه لمح التغيير الجذرى الذى أحدثه الرسول في العرب فانطلقوا به ليحدثوا