فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 247

وقد تتشابك في نفس الإنسان عدة طباع مثل تشهى الحياة، وتعجل النتائج وغلبة الأثرة، فيصدر أحكاما خاطئة على ما يصيبه من خير أو شر، وتستبد به المبالغة فتجمح به مشاعره نحو نفسه ونحو الناس. وفى هذا يقول جل شأنه: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور * ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور * إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) . في هذه الآيات صورة الإنسان الذى تستعبده الساعة الحاضرة وحدها، فهو عند فقد ما يسر منهزم كسير من شدة القنوط، وعند وجدانه، ينتشى ويغتر من شدة الفرح. وكان يجب أن يتمالك نفسه في الحالين وينظر إلي أصابع القدر وراء ما يحسه فيستكين لله ويؤدى ما عليه بتعقل.. ثم ينضم إلى هذا الإحساس المعتدل شعور آخر، أساسه أن ما يناله من خير ليس تمتيعا له وحده، فإن للمحرومين سهما فيما جاءه، وقد يكون سهما كبيرا: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن * كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحاضون على طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما) . والآيات تشير إلى أن الغنى ابتلاء، وأن الفقر ابتلاء، ومن الخطأ تصور أن الإغناء تكريم، والإفقار إهانة، والعبرة بالنتائج، فإن الذى يستعف في فقره أسبق عند الله وأرجح في الميزان من الذى يطغى بغناه. والذى يمنح الثراء، فيفتح أبوابه لليتيم والمسكين ويسارع بالبذل في مواطن النفقة هو الإنسان الناجح في الامتحان السابق في الميدان. لكن البشر ـ للأسف ـ يحسبون العطاء تدليلا لأشخاصهم، والحرمان إهانة وإذلالا.. وذلك خطأ بالغ في فهم الدين والدنيا. وعندما خال الناس أن الغنى تكريم ذاتى لبعض الأفراد والأسر، وأن الفقر هوان ذاتى قصده الله لبعض الأفراد والأسر، عندما شاع ذلك انفجرت براكين الأحقاد ضد أصحاب الثروات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت