فهرس الكتاب
الشعور على فؤاد يوسف الصديق عندما وازن بين ماضيه وهو صبى مختطف رقيق وبين حاضره وهو ملك مهيب عزيز وكيف رتب القدر الأحداث التى تمخضت عن تلك النتائج؟ فما ملك نفسه آن يقول: (إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم) . ص _140
الله هو الحقيقة إن عملنا ـ نحن البشر ـ قليل في الكون، أما العمل الأعظم فهو لله الكبير. ماذا صنع الفلاح في مادة القطن الذى جناه؟ أو في جسم التفاحة التى قطفها؟ إن ما لنا في هذا الحصاد تافه، أما ما لله فهو الحقيقة كلها. ونحن قد نحسن أو نسىء في استخدام المفاتيح التى يسرت لنا، أما الخزائن وما فيها، بل المفاتيح نفسها فليست من صنعنا. ولست أنا الذى أردد هذه المعانى، إنه (اينشتين) أكبر عالم كونى في الأعصار الحديثة، فلنسمع إليه وهو يقول: (إن الشعور الدينى الذى يمتلك الباحث في الكون هو أقوى حافز على متابعة البحث العلمى ودينى هو إعجابى ـ في تواضع ـ بتلك الروح السامية التى لا حد لها، تلك التى تتراءى في التفاصيل القليلة الضعيفة العاجزة.. هو إيمانى العميق بوجود قدرة عاقلة مهيمنة تتراءى حيثما نظرنا في هذا الكون المعجز للأفهام.."ذلك هو فهمى لمعنى الألوهية") . وهذا العالم الكونى صادق الحس فيما يعبر عنه، وإن جاءت عبارته دون ضوابط النقل التى حفظناها. وحسبه في أفقه البعيد عن الوحى أن يتذوق هذه المعانى ويجليها. إنها المعانى الناضجة من قوله سبحانه: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل * له مقاليد السماوات والأرض) . (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون) . وهى المعانى التى لخصها الفلاسفة في طبيعة العلاقة بين الممكنات كلها وبين واجب الوجود، فإن العوالم كلها ليس لها من ذاتها وجود، وإنما يفاض عليها كيانها الذى تظهر فيه من موجد أعلى، فلا وجود في الحقيقة إلا منه. ص _141