فهرس الكتاب
وقد يبالغ بعضهم، أو تغلبه نشوة إيمان رفيع فيقول: لا وجود في الحقيقة إلا له.. وليس المراد إنكار العالم المحسوس، وإنما المراد إنكار أى دور إيجابى له في قصة الحياة، فهو منفعل لا فاعل. والحقائق الدينية والعلمية والفلسفية تتساوق كلها إلى هذا القرار. ومن الخير على أية حال أن نضبط عباراتنا حتى لا توقع في لبس، ومن الخير كذلك أن نحسن ظنوننا حتى لا نتهم أولى الألباب. ويمتاز الإسلام بأنه بنى الإيمان الوثيق على ملاحظة آيات الله في الكون وتتبع العلامات التى بثها الله هنا وهناك لتدل عليه وتسوق إليه. وفى تعريف الناس بربهم من خلال هذا المنهج قد ترى تساؤلات مثيرة، وتقريرات معجبة. وكم أشعر بالرقة والإعظام وأنا أسمع المولى الجليل يحدث عباده عن نفسه: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا) . إنه استعمل ضمير الغيبة حتى إذا فتح الأجفان المغلقة لتعرفه استعمل ضمير الحضور: (ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) . ويتكرر الأسلوب نفسه بعد قليل: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) . وملاحظة قيام الله على خلقه وتدبيره لأمرهم وهيمنته على أحوالهم هو الطريق إلى ولايته واجتبائه، ولعل ذلك هو الذى جمع بين الآيتين المتعاقبتين في قوله سبحانه: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين * ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . نعم.. وما يكون وليا لله إلا الحاضر بقلبه معه تبارك اسمه، المشاهد لآثار أسمائه وصفاته في ملكوته. ص _142