فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 247

وعندما ترجع إلى شهادات العلماء الكونيين الأجانب التى ذكرناها بين يدى هذا البحث تشعر بأن هؤلاء العلماء لم يسكروا بخمر إلهية كما يعبر الصوفيون عندنا، بل كانوا في درجة عالية من الصحو العقلى أمكنتهم من رؤية المكون وهم يبحثون في الكون. على أن العلم النظرى لا يكفى، ذلك أن الكون مسخر للإنسان ولن يكون طوع بنانه إلا إذا اكتشف قواه وسننه، وطوعه لخدمته أو ـ بالتعبير الأدق ـ لخدمة رسالته التى من أجلها خلق. * * * * مفهوم المادة الواسع: إنه لا تنافى البتة بين استعمار الإنسان في الأرض، وارتفاقه لخيرها وبين أنه خلق لعبادة الله.. فليست العبادة انعزالا في صومعة، وترك الحياة بعد ذلك تسير كيفما اتفق لها. العبادة أن تعرف ربك من خلال دراستك لكونه الكبير، ثم تجعل نفسك والكون المسخر لك في خدمة دين ربك وتثبيت تعاليمه فيما تحت يدك. لا تنافى أبدا بين قوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب) . وقوله سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) . ومن هنا جاءت السنن تعلم أن الكدح في الأرض جهاد، وأنه يجب المضى في الزراعة ولو قامت الساعة. ويوجد الآن تدين وضيع الرتبة محقور الثمرة، لأنه مبتوت الصلة بالكون، بادى العجز في عرصات الأرض، وهذا الصنف من المتدينين مسخر في الأرض، وليس شىء من الأرض مسخرا له. وعباد المادة يستطيعون دعم الإلحاد بالأقمار المصنوعة، أما هو فأعجز من أن يدعم إيمانه المزعوم بشىء طائل، إلا العصا التى تساق بها الدواب، لأنه لا يعلو كثيرا عن هذا المنطق. ص _143

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت