فهرس الكتاب
وندع الحديث في هذا الموضوع لأنه ذو شجون، وشجونه تنقض الظهر! بيد أنه لابد من لفت النظر إلى أن الهواء النقى لا تفيد منه إلا رئة سليمة، وأن الشعاع المضىء لا تفيد منه إلا عين بصيرة، وأن السيادة في الكون وظيفة لا يطيقها المعلولون والمشلولون. وجمهور كبير من المنتمين إلى الدين يحملون جراثيم أمراض مادية وأدبية لا حصر لها، تجعل انتماءهم إلى الدين قليل الجدوى. وقد قسم علماؤنا النعم إلى حسية ومعنوية، وجعلوا الأخيرة أشرف، فالعلم خير من المال والخلق خير من الانحلال.. وهكذا. والحق أن الانتفاع من الماديات لا يستطيعه إلا من له حظ من المعنويات، وأنه إذا كان لابد من فقد شىء فخسارة بعض الملذات الحسية واجب في سبيل استكمال المعنويات والحفاظ عليها. وقد آثر الرجال الصالحون التضحية برغائب كثيرة كى يسلم لهم دينهم وشرفهم. وقد أنعم الله على العرب حديثا بالنفط، وأنعم عليهم قديما بالوحى، فكانت المنة عليهم برسالة السماء أرجح في موازينهم وأضوأ في تاريخهم. أما النفط الذى فجر المال أنهارا تحت أقدامهم فما تتم نعمه إلا إذا أحسنوا استغلاله، ودعموا به القيم وسدوا به الثغر. * * * * العمل لله يسبقه العلم به: والناس في هذه الحياة لا تصح إنسانيتهم ولا يحققون الحكمة من إيجادهم إلا إذا جعلوا نشاطهم مقسوما بين معاشهم ومعادهم، وعملوا لله كما يعملون لأنفسهم أو أكثر. والعمل لله يسبقه العلم به، والعلم به لا يتم تحصيله بترديد أسمائه ألوف المرات كما يوصى البعض، أو كما يفعلون. العلم بالله يجىء من تتبع آياته في الأنفس والآفاق، ومن الصلاة له في المراصد، والمعامل الحافلة بالتجارب والملاحظات. ويسرنى أن بعض المتصوفين قد شرع يدرك هذه الحقائق! ترى هل وصل بعد قيام القطار؟ ص _144