فهرس الكتاب
يقول الشيخ بهى الخولى رحمه الله: (معرفة الله تبدأ من شهود العقل لمعنى"الخالقية"التى تسند وجود الكائنات إلى الحق وحده ـ تبارك اسمه ـ فلا يكون في الكون إلا ما هو سلب مطلق، ليس له من أمر نفسه أو غيره شىء، وخالق له الإيجاب المطلق في كل شىء..) ثم تعلو مرتبة المعرفة رويدا رويدا بأن يلحظ الفكر في الكائنات معنى النفع أو معنى أنها نعمة من المنعم جل شأنه. وفى هذه المرتبة من حسن الصلة بالله يذهب الفكر إلى شعاب من النظر تجلو الكثير من الصفات العليا، والأسماء الحسنى، ويعظم حظ المرء من الحكمة والمعرفة والعبر ويزدحم ضميره بوجدانات الجلال والجمال ثم يقول رحمه الله: (ولعلنا ندرك الفرق بين مفهوم النعم الحسية والنعم المعنوية حين نقلب النظر بين هذين النوعين في قوله تعالى:(والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون) . وقوله سبحانه: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) . ولسنا نجيز المقارنة بين النظم البلاغى لكلا النصين، فكلام الله في درجة سواء من الإعجاز. ولا ندعى أن هناك فرقا بين النوعين في معنى الإنعام. فكلاهما فضل الله ومظهر امتنانه.. وحسب النعمة شرفا أن يكون المنعم بها هو الله.. إنما نريد الفرق بين الأثر الذى يحدثه كل منهما في حياة الإنسان وضميره). ولا ريب أن النبوات أنمى أثرا وأبرك عقبى من الآلاء الأخرى. وإلى هذا الملحظ جاء الأمر الإلهى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) . ومع ذلك كله فلا نزال نؤكد أن المقارنة هى بين دنيا مقطوعة عن ربها الذى أسداها وبين عبادة تصل المؤمن بربه وتبصره برسالته في هذه الحياة. لكن الدنيا التى تكون عونا على الدين، وسياجا يحميه ليست قسيما يقابل التقوى والإحسان، بل إن تحصيلها والذود عنها من صميم التقوى