فهرس الكتاب
أما المسلمون فإن الفوضى الهائلة كانت تنحدر بهم إلى الحضيض، فوضى سياسية جعلت مناصب الحكم بعيدة عن كل موازين الشرف والكفاية. وأمسى العمل السياسى سوقا لاصطياد المغانم والأسلاب، واختفى منه تقريبا الوفاء بحقوق الله والناس!، والسهر على مصالح الأمة الدينية والمدنية. كانت جاهلية من طراز آخر تعصف بالمسلمين شرقا وغربا، وتوهى صلاتهم برسالتهم الخالدة ودعوتهم الكبرى، وجريهم وراء شهواتهم سكارى وما هم بسكارى. * * * * اهتمامات.. بعض المسلمين: وفساد الإدارة السياسية يعطى حق الحياة لنوع معين من العلم الدينى، إن الحديث عن الحلال والحرام والمعروف والمنكر مرفوض. هناك حديث آخر يمكن التوسع فيه والحماس له وشغل الغوغاء بقضاياه، مثل الصلاة بالنعل أفضل أم مع الحفاء؟ الحج مع التمتع أفضل أم مع الإفراد أو القران؟ مس إحدى السوءتين ينقض الوضوء أم لا ينقضه؟ التراويح ثمانى ركعات أم عشرون؟ القنوت في الفجر بدعة أم سنة؟.. الخ. ومع الاستبحار في هذه القضايا هناك قضايا أخرى يجب الانتهاء فيها إلى رأى زائغ (الحاكم لا تقيده الشورى) (الحاكم المغتصب للسلطة لا يقاوم) (الانحراف عن الحاكم فتنة) (اعتزال الفتن إيمان) (تطليق الدنيا أساس التقوى) . ثم تشد خيمة الغيبيات السماعية لتنسحب على مساحات كبيرة من عالم الشهادة، فإذا التدين أحاجى وسحر وطلسمات غامضة، وقصور شائن في ميدان الفكر والاجتهاد وشئون الدنيا. وبهذا التخلف الإدارى والعمرانى، وبهذا العجز العقائدى والأخلاقى، استقبل المسلمون الاستعمار الحديث، فكانوا يصابون بهزيمة تلو أخرى، وتسقط بلادهم بلدا بعد بلد، وبعضهم لا يعرف شيئا عن الآخر ولا عما يلاقيه. ص _172