فهرس الكتاب
وأرئ أن الأوان قد آن لإقصاء الدعاة الذين لا فقه لهم، أو الذين يريدون إلباس الإسلام عقالا بدويا أو تقليده سيفا تركيا، ثم يعرضونه في عواصم الغرب والشرق التى ازدحمت بأذكى المبادئ وأمكرها. ولو عرضوا فطرة الله في الأنفس، وكشفوا عن طبيعة الوحى الأعلى في مثل قوله سبحانه: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) . لكان أقوم وأجدى. ومأساة الدعاية الإسلامية ترجع إلى قرون خلت، فإن العطب في أجهزتها الرسمية كان فادحا، وأظن الأمر بلغ حد الخيانة. وقد تساءلت في أحد كتبى: لماذا لم ينعقد مجمع علمى إسلامى لبحث الضياع الإسلامى في الأندلس؟ أو الجزر المسماة بـ (الفليبين) ؟ أو السقوط الأول (لبيت المقدس) فى أيدى الصليبيين.. أو سقوط بغداد في أيدى التتار وانتقاض النصارى يومئذ على الكثرة المدحورة.. الخ. والأمثلة التى مرت بنا ولا تزال تمر كثيرة، وأقلها شأنا يحتاج إلى وقفات طوال لإعادة النظر والتوجيه، فكيف بأدهاها؟ هل انحلال عروة الحكم من قديم سبب هذا البلاء؟ لا نسارع بالإجابة! من المؤكد أن ولاء الحكام الأقدمين كان للإسلام، فقد كان شعارهم المرفوع ومنطلقهم المعلن وملاذهم عند المفاخرة والمنافرة. وإذا كانوا قد تولوا الحكم بطرق غير إسلامية فقد حرصوا على تطبيق الإسلام وإقامة معالمه وحراسة حدوده، واستمدوا وجاهتهم من بذل الجهد في ذلك المضمار. يستوى في ذلك الملوك والأمراء ممن حكموا في ظل استبداد سياسى بين. فعبد الملك بن مروان الذى قضى بالسيف على خصوم الحزب الأموى مهد لابنه الوليد حركة الفتوح التى بلغت الهند والصين شرقا، وفرنسا وسويسرا غربا. بيد أن العوج الفقهى أو الطريق غير الشرعى الذى جاء به أولئك الخلفاء الملوك أو الملوك الخلفاء ترك طابعه على المعاملة التى لقيها قادة هذه الفتوح من عباقرة الحرب، ورجال المبادئ. ص _180