فهرس الكتاب
هل نواجه هذه الحقائق يخطىء من يحسب الدعوة إلى الله عظة منبر حارة الأنفاس أو باردتها، إن هذه العظات جليلة القدر عندما تذكرنا بالله وتدفعنا إلى مرضاته وتصدنا عن سخطه، ولكنها بعض أساليب التعليم والتربية، ولا تمثل إلا جزءا يسيرا من النشاط الإسلامى الرحب. إن الدعوة تعنى عرض الإسلام كله، وشرح كتاب جعله الله تبيانا لكل شىء، وتقريب نبوة جعلها الله ريادة إلى ميادين الكمال الإنسانى كله. ومن هنا فلابد أن يكون الداعى مستكمل الزاد من جميع العلوم الشرعية والإنسانية والأدبية حتى يقدر على تحمل هذا العبء واجتياز الدروب الشاقة به. والمسلمون في هذا العصر يواجهون حقيقتين مرتين.. الأولى أن خلافتهم غاربة، ووحدتهم الكبرى معتلة، وشرائعهم معطلة، وأخوتهم العامة منكورة، ومنابعهم الفكرية كدرة، وأخطاءهم القديمة باقية، وأمانيهم في المستقبل مشوشة، والقوى التى هزمتهم من الخارج لا تزال مكشرة الأنياب، والجراثيم التى هدتهم من الداخل لا تزال تسرح في كيانهم دون وجل. ما أشبههم بشركة تجارية أفلست تحت وطأة فوضى إدارية، ومنافسات أجنبية، فلما أرادت تجديد ذاتها واستئناف نشاطها أتت بجهاز يريد استحياء ذات الأساليب الأولى وتجديد نفس الظروف القديمة. أريد أن أسائل كل غيور: لماذا لا ندرس أخطاءنا ببصيرة وأناة وشجاعة. لقد وصف الله الحق بخصائصه العظيمة عندما قال: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) . إن الحق يرفع أصحابه وينفع الإنسانية كلها، وبالحق ساد سلفنا وأنشئوا حضارة أجدت على العالم واستظل بها الأعداء والخصوم. ص _185