فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 247

ويحزننى أن أقول: إن جيشا من الدهماء يملأ آفاق العمل الدينى لا يحسن درس القضايا ولا إصدار الأحكام. والجنون مراتب، هناك جنون مطبق يسقط عن صاحبه التكليف، ويريح المجتمع من محاسبته، ولا شأن لنا بهذا. وهناك جنون جزئى يجمع بين المتناقضات دون حرج! وإلى هذا النوع من الجنون يشير القرآن الكريم عندما يقول لنفر من أهل الكتاب: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) . نعم أين العقل في هذا التصرف؟ في هذا الميدان رأيت نوعين من الناس، نوعا لا يستطيع الرؤية لعجز في حاسته، ونوعا يرى ولكنه مشدود بالهوى إلى شىء آخر مسيطر عليه، كلا النوعين لا يصلح لعمل إسلامى محترم، لأن الإسلام لا يصلح له إلا أولو الألباب. والواقع أن سلامة التفكير واستقامة الخطو هما لباب الدين، وأين تجد الدين مع الغباء المستحكم والعوج الغالب؟ الدين عندئذ مراسم مجلوبة على فراغ، ولا قيمة للتاج على رأس مجنون. هناك آيتان تتحدان موضوعا وإن تغايرتا أداء.. قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) . وقوله تعالى: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) : أى تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذى لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم، روى الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعى أنه قال: قال: يأخذ بنواصى عباده، فيلقن المؤمن حتى يكون له أشفق من الولد لولده، يقول: ما غرك بربك الكريم؟ وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة، ودلالة قاطعة على صدق ما جاء به وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التى لا تنفع ولا تضر ولا توالى ولا تعادى، وإنما يستحق إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، الذى بيده الملك وله التصرف، وما من شىء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه. ص _190

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت