غير صحيح أن محمدا بعيد عن موسى أو عيسى، كلا، إنه بعيد عن مبتدعات أقحمت عليهما وغشت تراثهما، وخدعت الجماهير باسم الله عن دين الله... لكن كيف يتم تصحيح تلك الأخطاء التى غبرت عليها قرون طوال؟ يتم بإنارة العقل والتفاهم الهادئ والحوار الحسن! يتم برد الإنسان إلى فطرته واحترامه لمواهبه واستكشافه لحقيقته. إنك لتلمح ذلك المنهج في قوله سبحانه: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . لماذا أحرم عناية الله وعطفه وأنا أخلص له قلبى وأسلم له وجهى؟ لقد كان أهل الكتاب ينتشرون شمالى الجزيرة العربية وفوقها حتى ملتقى البحر المتوسط بالمحيط الأطلسى. أما الجزيرة نفسها، وشرقها حتى المحيط الهادى فإن الوثنيات وجدت لها مرتعا خصبا. وغريب أن يعبد الإنسان حجرا كان من حقه أن يجعله درج سلم يصعد فيه، أو يعبد بقرة كان من حقه أن يذبحها، ويسد بها جوعه إلى طعام دسم! ولكن الإنسان كان ولا يزال يفعل ذلك. الظاهر أن هذه الوثنية غطاء لا تباع المرء هواه، أو هى سد يعترض التفكير السوى ويردم مجراه لتنطلق بعد ذلك غرائز الإنسان الدنيا وشهواته العاجلة لتعربد كيف تشاء. هل تلك الحقيقة الوثنية وحدها؟ أم هى حقيقة كل تدين ينيم العقل ويأبى منطقه؟ سواء في ذلك الإلحاد والتعديد، والجحد والتجسيد، وما ينتسب إلى الأرض أو ما ينتسب إلى السماء. إن الانحراف عن الصراط المستقيم يأخذ خطوطا شتى، ولا نحاول إحصاء هذه الخطوط، ولا معرفة أين زاغت! المهم معرفة الصراط المستقيم وإيضاح معالمه وإرشاد التائهين يمنة ويسرة إليه. وكم تكون هذه المهمة جسيمة وفادحة إذا كانت تتناول العالم أجمع. ص _025