إن شبكة من المواد الدقيقة جدا، والجسيمة جدا، انتظصت في خدمة الإنسان وتأمين معايشه وتخطيط حاضره ومستقبله، كل يؤدى دوره بوفاء وقدرة، الكواكب السابحة في الفضاء، والجراثيم التى لا تراها العين! وذاك سر الأقسام الكثيرة التى وردت في القرآن الكريم مشيرة إلى فخامة هذا العالم. (فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق * لتركبن طبقا عن طبق) . (كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر * إنها لإحدى الكبر) . وتدبر القسم بالرياح المثيرة والسحب الحافلة وما يتبع ذلك من زرع وحصاد وتجارة واحتراف وخيرات تعم البشر: (والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا * إنما توعدون لصادق) . إن رب العالمين أبدع ما صنع! وحدثنا عن هذا الإبداع لنعجب به ونتذوق جماله. وإنى لأستغرب أحوال الناس ينتسبون إلى الإسلام ويديرون ظهرهم للكون، فلا يدرسون له قانونا، ولا يكشفون له سرا. أى إيمان هذا؟ وأى جهل بقصة الحياة ووظيفة آدم وبنيه في ربوعها..؟ إن الإنسان في القرآن الكريم كائن مكرم مفضل محترم مخدوم، ومن حق الله تبارك اسمه أن يعاتب البشر على سوء تقديرهم لآلائه: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) . هذه ناحية تتصل بالتكريم المادى للإنسان، وثم ناحية ثانية تتصل بكيانه المعنوى. فالإنسان نفخة من روح الله الأعلى، هكذا بدأ خلق آدم، وهكذا تتخلق الأجنة في بطون الأمهات. إن الحياة في شتى الأجسام المتحركة شىء، وخصائص الحياة الرفيعة في أبناء آدم شىء آخر، وقد أشاع الله نعمة الخلق بين خلائق كثيرة برزت من العدم إلى الوجود، بيد أن آدم وحده هو الذى وصفه بقوله: (سويته ونفخت فيه من روحي) . ص _010