فهرس الكتاب
فمن من عباقرة الأرض رزق العصمة؟ ذلك لو سلمنا بأن ما ذكروا مآخذ.. أقول ذلك لمناسبة ما قرأت من تهجم على الشيخ محمد عبده وهو أحد رواد الإصلاح الحديث، وروح الفقه المتجدد في مدرسة النار. أول ما عرفت الشيخ في كتابه (رسالة التوحيد) وهو عرض جديد لعلم الكلام ردم الفجوة بين السلف والخلف، وشرح العقائد شرحا يمزج بين العقل والنقل، وتجاوز الترف العقلى والجدل اللفظى ومنهج المتون والشروح، وقدم أصول الإسلام تقدمة دقيقة جيدة. ثم قرأت كتابه عن الإسلام والعلم الذى رد به على وزير خارجية فرنسا، فرأيت رجلا عليما بالإسلام وتاريخه وفضله على الحضارة الإنسانية، عليما في الوقت نفسه بالنصرانية والهندوكية وتاريخهما وما يكتنفه من غيوم. وقد ألف الكتاب في ليلة واحدة لشدة غضبه من الهجوم الفرنسى وملأه بالوثائق التى تشرف الحق وتخزى الباطل. مَن مِن علماء المسلمين في عهده تحرك بهذه العاطفة ورد بهذا الرسوخ؟ ثم قرأت تفسيره للقرآن الكريم، ووجدت بواكير التفسير الموضوعى للسورة فيما كتب، اهتدى إليها ذهن لماح مستوعب، وبصر حديد في إدراك الخيوط التى تشد أجزاء السورة، كما تشد الأعصاب أجزاء الكائن الحى. ويمكن عند متابعة المنار أن يعرف فضل الرجل في تجلية المعنى والحكمة، ودفع الشبهات ودعم اليقين. قال صديق: لا تنس أن الرجل ـ من الناحية العلمية ـ متهم بتجاوز أحاديث صحاح، وهو اتهام لو صح يسىء إلى مكانته! قلت: نعم، إن الذين يرفضون السنة النبوية مصدرا للتشريع بعد القرآن الكريم أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان، وإذا كان رفضهم للمتواتر والآحاد جميعا فهم كافرون يقينا.. بيد أن هنا خلطا مزعجا ينبغى كشفه، فإن جماهير أهل العلم تعترف بالسنة جملة، ويقوم لديها بعدئذ من الأسباب الوجيهة ما ترد به حديثا من مرويات الآحاد. والذين يفعلون ذلك لا يسمون مكذبين بالنسبة، فإن ردهم لهذا الحديث إنما وقع لأنهم يستبعدونه من السنة المطهرة، كأنهم يقولون