إن أبانا آدم، وهو الإنسان الأول، كلف ألا يأكل من شجرة معينة وكان جديرا به أن يعرف حق الآمر جل شأنه وأن يدع الأكل من هذه الشجرة أبدا. ولكنه بعد مرحلة من الذهول والضعف، عرضت له ساعة انهيار في إرادته وامتداد في رغبته فأكل من الشجرة المحرمة، وشاركته زوجته في عصيانه فطردا جميعا من الجنة. وكانا قد أحسا بالخطأ الذى تورطا فيه فدعوا الله نادمين: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين * قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون) . ونزل أبونا إلى الأرض وشرع كثير من الأبناء يمثلون القصة نفسها ويرتكبون الخطأ ذاته، ولكنه ليس أكلا من شجرة بل اتباعا للشهوات التى تقود إلى العصيان والحرمان! العنوان متغير والحقيقة واحدة.. إن هذا السلوك من الإنسان الأول يجعلنا نتساءل عن علته ؟ والعلة واضحة فإن الإنسان بدأ حياته بطبيعة مزدوجة، قبس من نور الله داخل غلاف من طين الأرض! إن الله تبارك اسمه بعدما صور الإنسان من التراب وسواه، نفخ فيه من روحه، فإذا كائن عجيب يجمع النقائض في تركيبه، يقدر على التسامى وعلى الإسفاف، ويقدر على الاستقامة وعلى الانحراف. وقد نبه القرآن الكريم إلى هذا الخليط في التكوين البشرى فقال جل شأنه: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا) . كما نبه إلى أن إلمامه بالخطايا ليس مستغربا، إنه ينزع إلى عرق فيه: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) . كلتا النزعتين الأرضية والسماوية تجد في الحياة ـ أو في البيئة ـ ما يضعفها أو يقويها، وقبل ذلك كله تجد في الإنسان نفسه ما يرجح كفة على أخرى، وما يسلم زمامه للخير أو للشر، كما يريد هو لنفسه دون تدخل من أحد في اتجاهه هنا أو هنا. ص _012