فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 247

مع الإمام مالك: ونتأمل في مسلك إمام فقيه محدث، هو مالك بن أنس رضى الله عنه، يرى مالك أن المدينة المنورة على عهده ورثت علم الصحابة والتابعين، وهم القرون المفضلة في هذه الأمة، وأن ما أجمع عليه أهل المدينة هو الصورة الدقيقة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء حديث مخالف لما عليه العمل عند أهل المدينة تجهم له مالك، وتوقف في قبوله. إنه وإن رواه الثقة فقد خالف الثقاة، أى أنه وفق مصطلح أهل هذا الفن شاذ، ومن ثم رفض مالك النافلة قبل المغرب، ورفض تحية المسجد والإمام يخطب مع ورود أحاديث تجيز ذلك، بل تستحبه.. إن موقف مالك من هذه المرويات كموقف عمر بن الخطاب من حديث فاطمة بنت قيس في سكنى ونفقة المطلقة ثلاثا، فقد رد الحديث ـ على صحته ـ قائلا: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لحديث امرأة لا ندرى حفظت أو نسيت! إنه لا يرد السنة وحاشا له ذلك، إنه ينكر أن هذا الحديث سنة. قال الشيخ عبد الله كنون كبير علماء المغرب ـ وهو مالكى المذهب ـ: (نلمح إلى رأينا في تقديم مالك لعمل أهل المدينة على الخبر الصحيح الذى يروى عن طريق الآحاد فإنا نرى أنه ذهاب منه إلى وجوب النظر في متن الحديث كما ننظر إلى السند. إن متن الحديث إذا وجد له معارض من الأصول والحقائق الثابتة المسلمة، وكان من رواية الآحاد أى لم يكن متواترا فيعلم بالضرورة أنه من الدين، فإنه يمكن وضعه موضع البحث، ويتوقف العمل به حتي يبت فيه أهل العلم) . قال: (مما يستأنس به لهذا ما روى عن ابن المعذل أنه قال: سمعت إنسانا سأل ابن الماجشون: لم رويتم الحديث ثم تركتموه؟ فقال: ليعلم أنا على علم تركناه) . وهذا القول يرد على من زعم أن الإمام مالكا ترك العمل بالحديث لأنه لم يبلغه، لا، إنه بلغه، ولكن ثقته برجحان ما عنده يأباه. إن الآحاد لا ترد الإجماع أو شبه الإجماع وهو يرى أن ما خالف إجماع أهل المدينة مرفوض. ويرى أبو حنيفة أن حديث الآحاد يفيد الظن الراجح، فكل دلالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت