فهرس الكتاب
يكتب قصصا للأطفال كى يشبوا نافرين من الخلافات السخيفة. ص _083
قال الأديب لأطفاله: إن نزاعا نشب بين أهل مدينة كذا: هل تؤكل البيضة من أحد طرفيها المدببين، أم من وسطها العريض، وتألف حزبان أو مذهبان كل يدعو لرأيه، واستفحل النزاع فصار حربا انهزم فيها أحد الفريقين، فالتجأ إلى مدينة أخرى واستعان بأهلها لينتصر على خصمه، ونشب حرب عامة بين المدينتين.. الخ. قلت: ما أحوج الدهماء في بلاد الإسلام إلى سماع هذا الدرس!. على أية حال.. إن المصلحين الكبار يترفعون عما يشغل العامة وأشباههم من قضايا. وهم يتجهون إلى الإصلاح من المنبع لا من المصب.. وهذا ما فعله جمال الدين، ومن سار تحت رايته. إنه نظر في أحوال المسلمين على اختلاف العصور، وعرف الداء وبدأ العمل. وكان الرجل يتملكه إحساس لا ريب في صدقه، أن الفكر الإسلامى متخلف عن الفكر العالمى مسافة طويلة! بل متخلف عن الإسلام نفسه وتاريخه البعيد. أترى جمال الدين كان واهما في هذا الشعور؟ كلا، إن هذا الشعور لا يزال يتملكنا بعد مائة عام من وفاة الرجل، فإن الضغط على أمتنا شديد كيما تبقى في الرغام، ولقد اجتمع عليها الخصوم من كل ملة وبقيت متفرقة الهوى متناحرة على الهباء. وقد قيل: إن الفساد يهبط من أعلى إلى أسفل وإن الإصلاح يصعد من أسفل إلى أعلى، وقد حاول جمال الدين أن يعمل بالمبدأين معا فحاول إسداء النصح إلى الحكام، وتعريفهم أنهم أجراء للشعوب وملزمون بالشورى، كما حاول استحياء الأمة الهامدة وتبديد الخمول العلمى والخلقى الذى ران عليها، وألغى وجوديها الأدبى والمادى في السباق العالمى. وكان إيمانه عميقا بقدرة الإسلام على استئناف رسالته وتجديد حضارته. وعندما أصدر هو وصاحبه محمد عبده مجلة العروة الوثقى لم يكن صحافيا مهموما بالطبع والنشر! كلا، لقد مهد لذلك بتأليف جماعات أو شعب تتواصى بنصرة الإسلام وتقسم الأيمان المغلظة على جعل الولاء له فوق الولاء للأبوة والأمومة،