فهرس الكتاب
أما تركد هذه الزوابع أتردد على تفسير المنار بين الحين والحين لأتعلم منه ما لم أكن أعلم وهو في نظرى موسوعة ثقافية موارة بالأبحاث التى تشمل الدين كله. والشيخ رشيد، وأستاذه محمد عبده، وزعيمه جماد الدين من أعمدة اليقظة الإسلامية في العصر الحديث. ولكنهم ومن فوقهم ومن دونهم من المفكرين الإسلاميين ما رزقوا العصمة ولا زعمت لهم يوما. ومَن مِن أئمتنا القدامى والمحدثين أصاب فلم يخطى، ومضى فلم يعثر؟ وهل وظيفتنا أن نمضغ الأخطاء، ونتتبع العثرات ونتعامى عن الحسنات ونشتم القمر لأنه كثيرا ما يقع في المحاق؟ قال لى صديق يعمل مفتشا للوعظ والإرشاد بالقاهرة: إنه ذهب لإلقاء محاضرة عن أحمد بن حنبل بناد لجماعة تنتسب إلى السنة، وبعد أن أتم كلامه قام متحدث آخر ليلقى محاضرة موضوعها (أبو حامد الغزالى الكافر) (!) . وفزعت لشناعة التهمة الموجهة إلى إمام ضخم من قادة الفكر الإسلامى، لقد كان أبو حامد عالما أديبا، وفقيها أصوليا، ومربيا فيلسوفا. وهو أذكى من أرسطو وأفلاطون وسقراط الذين تشمخ بهم اليونان وتعتز بهم أوروبا. لماذا يقوم امرؤ بتكفيره؟ وإذا كان للرجل أخطاء في الأحاديث النبوية فقد استدركت عليه من أصحاب هذا الفن ليتيسر بعد ذلك الانتفاع بعلمه الغزير. يوم طغت الفلسفة اليونانية على العقل الإسلامى اجتاحها أبو حامد بكتابه (تهافت الفلاسفة) ليعيد إلى الأصول الإسلامية مكانتها. ويوم استهلك الترف أمتنا، حكومات وشعوبا، وأذهلها عن رسالتها الكبرى عمل على (إحياء علوم الدين) . ص _087