الصفحة 11 من 18

قد ترتفع هذه الإباحة إذا كان هناك مصلحة في تقييد هذه الإباحة، ومن هنا حمى النبي مكانًا لإبل الصدقة (5) ·

ومما يلحق بهذه القاعدة مسألتنا، فإنه وإن كان الأصل إباحة انتفاع الإنسان بماله وعدم جواز تقييد تصرفه فيه أو أخذه، إلا أنه يجوز للإمام أن يقيد هذا المباح بما يرى فيه المصلحة كنظام التأمين على السيارات ضد الغير، ومن هذا الباب جاز وضع تنظيم للشركات والمبايعات ونحوها، بل جاز أخذ بعض المال على هيئة ضرائب للوفاء بما تضطر إليه البلاد ·

الدليل الرابع: إحداث الأقضية بسبب إحداث الشرور:

إن المتأمل في الشريعة الإسلامية يجد أنها تأمر بإحداث أقضية للناس بقدر الشرور التي يحدثونها لتكون رادعة لهم، ومن هذا الباب جاءت أحكام التعزير، فإن مقدار العقوبة فيه تختلف بحسب ذلك فكلما انهمك الناس في فعل منكر رتب عليه عقوبة مناسبة لردع الناس عن ذلك المنكر، ومن هنا لما كثر التهرب في حوادث السيارات فقد يحدث نظام يحد من هذا المنكر ·

وينبغي عند إصدار مثل هذا الإلزام ملاحظة مدى القبول والنفرة من مثل هذا النظام، فقد يترك الإلزام بالتأمين على السيارات ضد الغير لدرء مفسدة أعظم، كما فعل النبي في بناء الكعبة، فقد ترك النبي بناء البيت على قواعد إبراهيم من أجل ذلك كما قالت عائشة: سألت النبي عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: (نعم) قلت: فما بالهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: (إن قومك قصرت بهم النفقة، ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت) (1) ·

وقد يمهد له ببعض المقدمات التي تجعله مقبولًا، كما فعل النبي في عمرة الحديبية، عندما صده المشركون عن العمرة؛ أمر أصحابه بالإحلال فلم يفعل ذلك أحد منهم، فقدم لذلك بمقدمة بأن ابتدأ بهذا الفعل قبلهم؛ فتتابع المسلمون على الاقتداء به (2) ·

وفي القرآن شواهد لذلك، فإن الله عز وجل لما أراد أن يذكر ولادة عيسى من غير أب، مهد له بذكر إتيان الفاكهة لمريم من عند الله في غير وقتها كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (1) ، ثم ذكر ولادة يحيى لأبوين كبيرين، أحدهما عقيم يستبعد أن يولد لمثلهما عادة قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر (2) ، وقارن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت