يشترطون فيه شروطًا زائدة عن الماهية ومن ثم فهم قائلون بالجواز، ومن هنا سأعرض هذين القولين وأشهر أدلتهما:
القول الأول: تحريم التأمين التجاري، وهذا رأي الأغلبية الذي استقرت عليه الهيئات العلمية والمجامع الفقهية (1) ، وقد استدل لهذا القول بعدد من الأدلة من أبرزها ما يأتي:
الدليل الأول: أن التأمين التجاري يحتوي على الربا لعدم التساوي بين الأموال التي يدفعها المؤمِّن والتي يدفعها المؤمَّن له مع الإختلاف في زمن الدفع · والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل والربا محرم شرعًا لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (1) ·
واعترض على ذلك بأن المتعاقدين لا يقصدان الربا، وهذا الاعتراض لا محل له لعدم اشتراط قصدهما للربا في وجود الربا أو تحريمه ·
وهذا الاستدلال لا يصح لأنه يمكن فصل عقد التأمين عن الربا بأن تجعل الأموال فيه مما لا يجري الربا بينها، بأن يدفع في الأقساط نقدًا ويكون التعويض سيارة أو نحوها ·
الدليل الثاني: أن التأمين مشتمل على القمار والميسر، وهما من المحرمات الشرعية قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (2) · وعلة تحريم القمار قيامه على دفع مال من أحد المتعاقدين في مقابل احتمال حصوله على مال أكبر، وهذه العلة موجودة في التأمين فيكون حرامًا ·
واعترض على هذا الاستدلال بأن علة تحريم القمار أنه يورث العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة · والتأمين نظام تعاوني يرمم آثار الكوارث التي تحل بالإنسان، ويمنحه الطمأنينة والأمان من الجوائح والأخطار، والتأمين معاوضة مفيدة للطرفين وليس ذلك في القمار ·
وأجيب بأن ذلك هو الحكمة، بينما العلة في تحريم القمار هي دفع مال يحتمل الحصول على مقابل له، والمقامر يقول للآخر افعل كذا، فإن أصبت كذا، دفعت لك كذا، وإن لم تصبه خسرت ما دفعت · فشركة التأمين تقول للمؤمَّن له: ادفع كذا، فإن أصابك كذا، دفعت لك كذا، وإن لم يصبك خسرت ما دفعت ·· فالذي يدفع الأقساط ولا يقع له الحادث يخسر مبلغ التأمين، والذي يقامر ولا يصيب الرقم الرابح يخسر