9 -"يسألونك ماذا ينفقون؟ قل العفو": وإذا كان غبار التاريخ المتطاير من حمأة الحضارات الفارسية والرومانية القائمة على الإقطاع والاستقلال قد غشي كثيرًا أو قليلًا أنوار العدالة والإنسانية التي أشعت بها نصوص الكتاب والسنة وتجربة التطبيق النموذجي في الصدر الأول للإسلام، فخالطت تلك الأنوار الساطعة ظلمات الجاهلية وتأثر التنظير الفقهي بذلك قليلًا أو كثيرًا، فإن تاريخ الإسلام لم يخل من المجددين الثائرين الذين كسروا أطواق التاريخ ونفضوا غباره المتراكم فاتصلوا بالنبع الصافي وأطلقوا أنواره مجددًا. وكان أشهر أولئك علامتنا المغربي الثائر الفقيه السلفي ابن حزم الذي لا يشك أحد في تمسكه الحرفي المتشدد بظواهر النصوص. وكان ذلك كافيًا لو صح تحليل خصوم السلفية ليجعل من ابن حزم أكثر فقهاء الإسلام رجعية وجمودًا وخصومة لحقوق المستضعفين من الرجال والنساء، ولكن الواقع يشهد بعكس ذلك تمامًا لدرجة أن رافعي لواء التحرر من سلطان النصوص لحساب العقل - وذلك شرط التحرر والتقدمية عندهم - إذ التقدم بزعمهم والمنهج النصي (أو السلفي) نقيضان لايجتمعان. ولا يكادون يعثرون خلال تنقيبهم في التراث على مواقف تحررية في مجال الاقتصاد أو المرأة والفن وغيرها أعمق وأجلى وأغزر من مواقف الموغلين في السلفية أمثال ابن تيمية وابن القيم، وابن حزم، وهو زعيم المنهج السلفي بلا منازع ... وكان على هؤلاء أن يذعنوا للحقيقة التي كشف عنها تاريخ الحضارة الإسلامية، تلك التي أعلن عنها الفكر الإسلامي المعاصر [1] ، ألا وهي أنه لا تجديد إلا في إطار السلفية. المقصود أنه انطلاقا من الاعتزاز بالذات الحضارية للأمة والاطمئنان الكامل إلى دينها وتراثها ... فإنما انطلق تاريخنا من النص المقدس، فلا تجديد حقيقيًا إلا في إطاره وانطلاقًا منه. بل إن التجديد في كل حضارة كان بهذا المعني سلفيًا، أي عودة إلى الجذور انطلاقًا منها من أجل تخطي الحاضر الهابط نحو مستقبل أفضل مع ملاحظة أن السلفية هنا تعني التمسك بنصوص الإسلام ومقاصده في مواجهة محاولات العبث العلماني، وليست بحال رفض التجديد ورفض مقاصد الشريعة، مع التنبيه أيضًا أن مصطلح السلفية لا يحمل دلالة إلزامية بل يمكن الإستغناء عنه والاستعاضة عنه بغيره، لأن السلفية ليست مفهومًا واحدًا [2] . لنقرأ بانتباه، ونحن بصدد تقرير حق الضمان الاجتماعي في الإسلام، هذا النص الرائع للثائر السلفي ابن حزم"وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين بهم فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من"
(1) انظر على سبيل المثال: منير شفيق، أطروحات علمانية (تونس: دار البوارق) ، ومحسن الميلي، ظاهرة اليسار الإسلامي (قرطاج: مطبعة تونس، 1985) .
(2) يقول عبد الاله بن كيران:"إن الوهابية ليست إلا سلفية من بين سلفيات أما بالنسبة إلينا فالسلفية هي النظر الموضوعي في نصوص الإسلام". نقلًا عن: