لقد أقام الإسلام مجتمعه على أساس الأخوة والمساواة والعدالة وما يقتضيه ذلك من تعاون وتضامن وإيثار {إنما المؤمنون إخوة} [1] ، وفي الصحيح: [المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله] ، ويعلن ابن حزم في المحلي تعليقًا على هذا الحديث الصحيح يقول فيه:"من تركه يجوع ويعرى وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلمه"، إن الأخوة ليست مجرد عاطفة ولكنها عقد تكافل تعاون وتآزر، وهو عقد طرفه الأساسي الأمة ممثلة في مستويات متراتبة تبدأ بالأسرة حيث أوجب على أفرادها التكافل في الإرث والوصية والنفقة {وأولوا الأرحام بعضهم أولي ببعض} [2] ، ثم أهل الجيرة {والجار ذي القربة والجار الجنب} [3] ، وفي الحديث: [ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه] ، [ليس منا من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم] . ثم يأتي أهل الحي ثم المجتمع كله عن طريق الزكاة وهي فريضة ملزمة ثم النفقة التطوعية"في المال حق سوى الزكاة"، وفي الصحيح يرسم النبي القائد نموذجًا لمجتمع مؤمن صغير كيف يتعامل مع الأزمات الاقتصادية: [نعم القوم الأشعريون كانوا إذا أرملوا في الغزو أو قل عيلا طعامهم بالمدينة جعلوا ما كان عندهم في ثوب وأحد وقسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم] ./مسلم عن جابر. وصيغة الوصف النبوي لهذا المجتمع ناطقة بتحبيذه، والرغبة للمسلمين وللبشرية جمعاء أن تتأسى به في تجسيد الأخوة وقهر الأنانية ومغالبة الأزمات. ويتجاوز النبي القائد هذه الصيغة التي تعتمد الإيحاء إلى الإعلان العام المباشر ذي الصيغة التشريعية" [من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. صحيح أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد من حديث أبي سعيد الخدري، وللمسلم المعاصر أن يعدد من صنوف البيوت والسيارات والمصانع والحقول ... الخ، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. ولقد تقدم حديث النبي -[من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه] م/مسلم/، وليس له أن يمسكها أكثر من ثلاث سنوات إذ"ليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنوات"، كما ورد في حديث أخر. ولقد تشبع خلفاء النبي - بهذه الروح الاجتماعية الإنسانية فمنع ابن الخطاب أن يتحول الفاتحون إلى إقطاعيين، فقرر منع توزيع أرض الفتوح على الفاتحين وجعلها ملكًا عامًا للمسلمين إلى يوم القيامة [4] . ومع ذلك تبين له في أواخر أيام حكمه وجود تفاوت عزم على قضاء عليه، فقال:"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين". وكان الخليفة الثائر علي بن أبي طالب واضح الرؤيا في تحليله لمشكل الفقر، أنه ثمرة لأنانية الأغنياء"ما جاع الفقراء إلا بمنع الأغنياء"."
(1) القرآن الكريم،"سورة الحجرات"الآية 10.
(2) المصدر نفسه،"سورة الأنفال"الآية 75.
(3) المصدر نفسه،"سورة النساء"الآية 36.
(4) أبو عبيدة، كتاب الأموال، ويعقوب بن إبراهيم أبو يوسف، كتاب الخراج (بولاق: المطبعة السلفية، 1352هـ) .