فهرس الكتاب
ما كان كافيا لأن يحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات وأخرجته من الحلبة السياسية التي أصبح العسكر يمسكون بها مباشرة.
من هامش العسكر إلى قمة صناعة القرار
التعديلات القانونية التي أجريت في بدايات العقد الأخير من القرن الماضي؛ أتاحت لأربكان أن يعمد إلى تأسيس حزب جديد أطلق عليه اسم"حزب الرفاه". وكما هو متوقع؛ واجه الحزب سلسلة من مذكرات الاتهام والادعاء من قبل عدد من المحاكم التركية، إلا أنه استطاع بعد سنوات من تأسيسه؛ الحصول على 185 مقعدا في الانتخابات النيابية التي جرت عام 1996، ليصبح الحزب الأكبر في البرلمان التركي.
إثر النصر الانتخابي غير المسبوق قام رئيس الجمهورية التركية آنذاك سليمان ديميريل بتوجيه كتاب خطي لنجم الدين أربكان، بصفته زعيم أكبر حزب في البرلمان، لتشكيل حكومة تركية جديدة، فشكل أربكان حكومته بالتآلف مع حزب"الطريق القويم"الذي كانت تقوده تانسو تشيلر.
وسريعا طفت على السطح حالة التوتر بين حكومة أربكان الأولى من نوعها في تركيا منذ عهد أتاتورك؛ وجنرالات الجيش التركي، الذي يُنظر إليه على أساس أنه حامي مبادئ الجمهورية العلمانية.
وتمثلت هذه الحالة بالهجمات الصحفية والإعلامية الضارية ضد الحكومة، وعلى الجانب المقابل كان على أربكان وحزبه التصدي لحملات التهديد والوعيد، ففي تصريح أدلى به أربكان في الثاني من تشرين ثاني (نوفمبر) 1997، وفسره المراقبون على أنه بمثابة رسالة تحدٍ لجنرالات العلمانية؛ أكد أربكان عزم حكومته على بناء مسجد ضخم في ميدان تقسيم في إستانبول، حيث ينتصب أكبر تمثال لأتاتورك، فضلا عن تشييد مسجد آخر في أنقرة في منطقة شانكايا التي تحتضن مقار مؤسسات الجمهورية العلمانية الرسمية.
وانتهت محاولات جنرالات الجيش التركي إلى لجم حزب الرفاه وزعيمه أربكان، بضعضعة الائتلاف مع حزب الطريق القويم بزعامة تشيلر، فأدى انفراط الحزبين إلى استقالة الحكومة في أوائل حزيران (يونيو) 1997، وبعد ذلك ببضعة أشهر تقدم المدعي العام بدعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية، مطالبا بحل حزب الرفاه أيضا بتهمة العمل على تغيير النظام العلماني في تركيا.
وكان الشهر الأخير من سنة 1997 إيذانا باستعادة التاريخ السياسي لذاته؛ فقد أصدرت المحكمة الدستورية التركية حكما بحل"الرفاه"، وبمنع زعيمه أربكان وعدد من رجاله من العمل السياسي لمدة خمس سنوات.
ولعل المفارقة التي تجسدت في تجربة حكومة أربكان أنها جعلت هذا الزعيم الإسلامي وهو في أوج انتصاره الانتخابي محاصرا بقيود السلطة التي تحرسها حراب العسكر، وتطوقها مؤسسات علمانية متأهبة، وتترصد لها آلة إعلامية مهيمنة على الرأي العام المحلي.
وكان من تداعيات ذلك؛ وضع أربكان في موقف لا يحسد عليه، في مواجهة مدارس"إمام خطيب"التي تعد الرافد المتبقي للحالة الدينية في تركيا، علاوة على عجزه عن التأثير على ملف علاقات التحالف المزدهرة بين أنقرة وتل أبيب التي أبرمتها المؤسسة العسكرية.
وحتى طموحات أربكان الكبرى، بخاصة التكامل الاقتصادي مع العالم الإسلامي، وإقامة منظمة الدول الإسلامية الثمانية، على غرار"نادي الأقوياء"الثماني الذي يضم كبرى الدول الصناعية؛ لم يكتب له فيه سوى فضل المبادرة التي لم يتسع لها الهامش الزمني، ولا التوازنات الدولية التي تحكم الدول الإسلامية.
الإسلاميون يشكلون حزب الفضيلة
لم يكن قرار المحكمة الدستورية بحل حزب الرفاه مفاجئا للإسلاميين، بل كانوا يتوقعونه في أية لحظة، وكان أربكان يخطط لمواجهة هذا الموقف عند حدوثه، فوضع مشروعا لتأسيس حزب