فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 110

والتكنولوجيا الحديثة لاقتصاديات الأهالي ذوي الدخول شديدة الانخفاض، بما يسمح بإيجاد مسكن يتفق مع هذه الدخول، ويؤكد حسن فتحي هنا أن ذلك يستلزم إيجاد النظام الاجتماعي - إداري / مالي- بما يسمح باستمرار فاعلية النظام التعاوني التقليدي في الظروف الحالية غير التقليدية، ذات النظام الذي بطلت فاعليته قبل الأوان بالنسبة للغالبية العظمى من الأهالي من جراء عمليات التحول الاجتماعي والاقتصادي التي شملت العالَم المُصَنِّع وجَرَّتْ معها العالَم غير المصنِّع أو العالم الثالث.

العقبة الاقتصادية الرئيسية في عملية البناء تتمثل في السقف؛ لأنه يتطلب"استعمال مواد تتحمل جهود الشد والانحناء والقص بالخرسانة المسلحة والخشب، ومن هنا كان تمسك الخبراء بهذه المواد المصنعة، وحل هذه المشكلة الفنية عند حسن فتحي مُسْتَمَدٌّ من تراثنا المعماري الذي انتهجه الأجداد الذين أعطوا السقف شكل قبو ذي منحنى سلسلي، وبذلك امتنعت كل جهود الشد والانحناء والقص، واقتصرت على جهود الضغط، والطوب الأخضر يتحمل هذه الضغوط بكل يسر، إن القدامى حلوا المشكل عن طريق الشكل الهندسي للسقف وليس عن طريق استعمال المواد المصنعة الغالية، وهكذا أخضع القدماء التكنولوجيا لاقتصاديات الأهالي الفقراء بحيث تسمح بإنشاء هذه الأسقف المقببة بدون صلبات أو عبوات خشبية، إنهم يثبتونها في الهواء، بكل بساطة بالطرق التي كانت سائدة إلى الأمس القريب في بلاد النوبة، التي لم تزل سائدة في إيران إلى اليوم وخاصة في إقليم يرد".

كان المفهوم الواسع لكلمتي الثقافة والتراث هو مدخل حسن فتحي إلى فلسفته في مجال العمارة، فهو يرى أن"الثقافة عُرفت بأنها نتيجة تفاعل ذكاء الإنسان مع البيئة في استيفاء حاجاته المادية والروحية، وينطبق أكثر ما ينطبق صدق هذا التعريف على الفنون التشكيلية ومنها العمارة؛ لأنه ليس من المعقول أن يصور مصور سويسري لوحة بها جِمال ونخيل عن طبيعة بلاده، كما لا يمكن ولا يُعْقل أن يقوم مهندس معماري عربي ببناء شاليه سويسري في مصر أو الكويت، وبجواره نخيل وجمال، إنه يكون أمرًا مضحكًا كما هو في الأفلام الهزلية، ولكن للأسف هذا هو الحادث اليوم في كافة البلاد العربية، ليس ببناء شاليهات سويسرية في المنطقة العربية، وإنما ببناء عمارات أمريكية على الطراز الغربي الحديث الذي يتنافى مع طبيعة البلاد وأشكال الناس وملامحهم التي تصبح عندما نراهم بجوار تلك المباني كأشكال النخيل والجِمال بجوار الشاليه السويسري".

فحسن فتحي كما نرى يؤكد على أن يكون المعماري ليس مجرد مهندس، ولكنه مدرك للأبعاد المختلفة للبيئة والسكان تاريخيًّا واجتماعيًّا وسيكولوجيًّا وبيولوجيًّا، كما يهتم بمراعاة مناسبة البناء للمكان (وادٍ / صحراء / جبل) حتى لا يكون قبيحًا وغير متناسب مع البيئة، وهو يرفض أن يصبح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت